بقلم : علي محمد اليافعي الأحد 03-07-2016 الساعة 02:05 ص

حَبْر الأمة وتَرجمان القرآن عبد الله بن عباس

علي محمد اليافعي

قبل الهجرة النبوية بنحو ثلاث سنين، جاء العباس بن عبد المطلب، يسعى إلى رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فرحا مبتهجا، وهو يحمل بيديه طفله الصغير، فتناوله النبي الكريم بسرور بالغ، وأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، وسماه عبد الله، ثم دعا للعباس وولده.

ذلك هو أول يوم في حياة عبد الله بن العباس، الصحابي الذي لا يذكر اسمه، إلا ويذكر تفسير كتاب الله العزيز، حتى لقب بتَرجمان القرآن، وهو الصحابي العالم الذي عُرف بغزارة العلم، وسعة المعرفة، والإحاطة بمختلف العلوم، فنال لقب (حَبْر الأمة). لقد اجتمع لابن عباس من المحامد والفضائل الكثير في نفسه وفي عقله منذ صغره، فلم يكن في ناشئة الفتيان يومئذ أحدٌ في مثل خلقه وأدبه، وذكائه وفطنته، وحذقه في كل الأمور، مما أهله أن يظفر بدعاء رسول الله له، فقال وهو يمسح رأسه:(اللهم فقّه في الدين، وعلمه التأويل)، هذه هي الدعوة التي مثلت محور تفوق ونجاح ابن عباس، في مسيرة حياته الموفقة بجلائل الأعمال، وفرائد الأقوال.

كان ابن عباس شديد القرب من رسول الله، لقرابته له، ولمحبته التعلم، وفي مجلسٍ جمع النبي بصحابته يوماً، حدث هذا الموقف الذي يدل على فطانة ابن عباس، ولباقته وفصاحته، على حداثة سنه، وهو أن رسول الله، أُتي بقدح فشرب منه، وكان عن يمينه عبد الله بن عباس، وهو يومئذ غلام، وعن يساره كبار الصحابة، فقال له رسول الله: يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثرَ بنصيبي منك أحدا، يا رسول الله. فأعطاه إياه.

من أبرز صفات ابن عباس، التي بوّأته مكانا عليا في العلم، الهمة والاجتهاد والحرص على طلب ما ينفع، فيحدثنا هو نفسُه أنه لما قُبض النبي عليه الصلاة والسلام — وكان سن ابن عباس إذ ذاك ثلاث عشرة سنة — قال لفتى من الأنصار: هلمَّ فلنسأل أصحاب رسول الله، فإنهم اليوم كثير. قال: يا عجبا لك يا بن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله من فيهم؟. فترك هذا الفتى ذلك، وأقبل ابن عباس يسأل الصحابة، وهنا يقول هو: إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتي إليه وهو قائل — أي نائم وقت القيلولة — فأتوسد ردائي على بابه، يَسفي الريح علي التراب، حتى ينتهي من مقيله، ويخرج فيراني، فيقول: يا بن عم رسول الله، ما جاء بك، هلا أرسلت إليّ فآتيك. فأقول: لا، أنت أحق بأن أسعى إليك. ثم يسأله ويتعلم منه، ويأخذ عنه، فلا عجب أن صار عالما، وهو الذي سئل مرة: أنّى أصبت هذا العلم؟ فأجاب: بلسان سؤول، وقلب عقول. أما ذلك الفتى الأنصاري الذي قَعَدت به نفسه، وضعفت همته، فعاش حتى رأى ابن عباس والناس يجتمعون حوله يسألونه، ويستمعون له، فقال: هذا الفتى كان أعقل مني. فعرف تقصيره وتفريطه في طلب ما فيه خيره وصلاحه، في زمن كان خليقا به، وبكل من هو في مثل عمره، أن يجتهد وينصب بمثابرة ومصابرة، ليجني من بعدُ، الفوائد والأرباح، في عاقبة أمره في دنياه وآخرته، ذلك لأن القاعدة النافعة المرتبطة بحياة الإنسان: أن ليس يغني عن الإنسان إلا سعيه، وما يقدم لنفسه.

لقد بلغت منزلة ابن عباس، أن كان الخليفتان عمر وعثمان، رضي الله عنهما، يدعوانه فيشير عليهما مع أهل بدر، وخاصة أمير المؤمنين عمر، كان يدنيه ويقربه، فيتحدث ومعه كبار الصحابة، ولا يجاوز عمر قوله، حتى قال عبد الرحمن بن عوف لعمر: إن لنا أبناءً مثلَه. فقال عمر: إنه من حيثُ تَعْلَمُ. وسأل عمر مرة ابن عباس عن هذه الآية:(إذا جاء نصر الله والفتح)، ليُريَ الصحابة مبلغه في العلم، بعد أن سأل الصحابة عنها، فلم يعلموا منها إلا ظاهرها، فأجاب وهو الذي عنده علم تأويل الكتاب ببركة دعاء الرسول: أجَلُ رسول الله، أعلمه إياه، أنْ إذا جاء فتح مكة، فذاك علامة أجلك. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم.

وبمناسبة قربه هذا من أمير المؤمنين، أوصاه أبوه العباس فقال: أيْ بني، إني أرى أمير المؤمنين يدعوك ويقربك، ويستشيرك مع أصحاب رسول الله، فاحفظ عني ثلاث خصال: اتقِ الله، لا يجربنّ عليك كذبة، ولا تفشين له سرا، ولا تغتابنّ عنده أحدا.

بلغ عبد الله بن العباس، في علمه وخلقه شأوا بعيدا، قلما يتحصل ويدرك عند الناس، عن سعة علمه قال عطاء بن أبي رباح:(ما رأيت قط مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، ولا أكثر فقها ولا أعظم هيبة، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، وكلهم يصدر عن وادٍ واسع)، فليس عجبا إذن أن يلقب بحَبر الأمة.

أما عن خلقه وأدب نفسه فقد كان في ذلك عظيما جليلا، مثلما هو كذلك في علمه، ولا بِدع في هذا، فالخلق هو زينة العلم، بل هو الثمرة اليانعة الناضرة من حصاده، ولا يكون ذو العلم عالما، إلا إذا كان ذا خلق كريم، يصور أدب النفس، التي زكاها العلم وهذبها، فصارت نفسا زكية نبيلة، ولا بد حتما من اقترانهما معا، الخلق والعلم، بحيث يكون الخلق نتيجة للعلم، يظهر أثرها في المتعلم، فتتجلى متمثلة في سلوكه وتعامله، وإلا فيا لخيبة صاحب العلم، ويا لضيعة طلب العلم.

نأخذ بعض الشواهد على مكارم وفضائل خلق ابن عباس، مما روي عنه من أقوال، من ذلك قوله في محبة الخير للغير جميعا، بعيدا عن شح الأثرة، وغل الحسد، وضيق الفكر، وهو من خير وأفضل الأقوال في الدلالة على النفس الطيبة السمحة الخيّرة، قال:(إني لآتي على الآية من كتاب الله، فأود لو أن الناس جميعا علموا مثل الذي أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل، ويحكم بالقسط، فأفرح به، وما لي عنده قضية، وإني لأسمع بالغيث يصيب للمسلمين أرضا، فأفرح به، وما لي بتلك الأرض سائمة).

وقال أيضا مما يدل على أدب النفس وسماحتها: لو قال لي فرعون: بارك الله فيك. لقلت وفيك. ومن أقواله ونصائحه الثمينة الغالية: لا تتكلم فيما لا يَعنيك، ولا تُمارِ سفيها ولا حليما، واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به.

جاهد في ميدان السيف

عاش ابن عباس طول حياته ناشرا للعلم، ناصرا للقرآن، داعيا إلى الخير، ناهيا عن الشر، ينفع الناس كافة بعلمه ونصحه حيثما حل وارتحل، ولقد جاهد في ميدان السيف، كما جاهد في ميدان العلم، إذ كان من المجاهدين في عهد رسول الله، وعهد خلفائه في الكثير من المشاهد، ينصر الحق في مواطنه، حتى توفاه الله، وقد كُفّ بصره في أُخريات أيامه فقال في ذلك وهو صابر راضٍ هذين البيتين الرائعين:

إنْ يأخذِ اللهُ من عينيّ نورَهما ففي لساني وسمعي منهما نورُ

قلبي ذكي وعقلي غيرُ ذي دَخَلٍ وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثورُ

وتوفي رضي الله عنه، بالطائف سنة ثمان وستين من الهجرة، وعمره إحدى وسبعين سنة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"