بقلم : علي محمد اليافعي الإثنين 04-07-2016 الساعة 01:02 ص

أمين الأمة.. أبو عبيدة عامر بن الجراح

علي محمد اليافعي

قدم المدينة المنورة ذات يوم، وفد من نصارى نجران، وأتَوْا مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، وهو جالس مع نفر من أصحابه، فلما استقروا في مجلسهم، جعل رسول الله، يعرض عليهم الإسلام، ويدعوهم إلى الإيمان، ولكن القوم أبَوْا إلا أن يقيموا على دينهم، وقبل أن يهموا بالانصراف من عنده، ليرجعوا إلى ديارهم، سألوه أن يبعث معهم رجلا من أصحابه ليحكم بينهم، ويَفصل في أمور قد اختلفوا فيها، وتنازعوا عليهما، فقال لهم رسول الله: (لأبعثنّ إليكم رجلا، أمينا حَقَّ أمين، حق أمين- قالها ثلاثا- فائتوني العشيّة).

سمع الصحابة ممن كان في المجلس هذه المقالة، فودّ كل منهم أن يكون هو الأمين الذي يعنيه رسول الله، والذي سيبعثه مع وفد نجران، واستشرفت نفوسهم لهذا الثناء والتزكية:(حقَّ أمين، حق أمين)، من النبي الكريم، فإن ذلك عز وفخر لمن يظفر به ويناله، حتى إن عمر بن الخطاب، الفاروق- وكان حاضرا- قال: (ما أحببت الإمارة قط، حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها)، فراح عمر إلى صلاة الظهر مبكرا، فلما صلى بهم رسول الله، سلّم ثم أخذ ينظر عن يمينه وعن يساره، وهنا طفق عمر يتطاول، ويمدُّ عنقه حتى يراه رسول الله، الذي لم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه، وقال: (اخرج معهم فاقضِ بينهم بالحق، فيما اختلفوا فيه)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح). هنالك غبط عمر أبا عبيدة، وجعل ينظر إليه بإعجاب وإكبار، ومن يومئذ عظم في عينه، وأحبه حبا كبيرا، كما سنعرف فيما يأتي معنا.

استمر أبو عبيدة بن الجراح أمينا على الأمة، يحمل أمانتها، بعد وفاة رسول الله، مثلما كان من قبل، يعمل مخلصا في عمله، ويجاهد متفانيا في جهاده، لا تفتر همته، يبذل في سبيل أمته كل ما تستطيعه يده، وتقوى عليه نفسه، محملا نفسه ما يطيق، وما لا يطيق، من أجل نصر دين الله، ورفع راية الإسلام، ومن أجل كرامة الأمة، ذلك هو فعل أبو عبيدة، وتلك هي روحه الطاهرة، فأكرِمْ به، وأعظِمْ من أمين، خليق بالأمانة جدير بها.

رأى عمر في خلافته أن يولي أبا عبيدة قيادة جيوش المسلمين في بلاد الشام، فسار الأمين بالجيش نحو الشام لملاقاة الأخطار التي تواجه مصير الإسلام هناك من أعدائه المتربصين بالمسلمين، وهناك أثبت بطولة وبسالة، فحقق الانتصارات التي ضربت قوى الروم وقضت عليها، وتقدم يمضي من انتصار إلى انتصار، وينتقل من نجاح إلى نجاح، حتى فتح الله على يده ديار الشام وحررها من اضطهاد الرومان، فشاع فيها نور الإيمان، فكان أهلها من ثم يعرفون له بلاءه هذا، وعرفوا من قبل منزلته الجليلة في الإسلام، منذ أن بعث الله رسوله، كما عرفوا أيضا مكانته عند أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، الذي ألقى إليه قيادة جيوش المسلمين، مفضلا إياه على من سواه من كبار القادة، وأبطال الحروب، عرف أهل الشام كل ذلك، فراحوا يطلقون عليه لقب (أمير الأمراء).

ما كاد يعلم أبو عبيدة بما يقوله الناس عنه من حديث المديح والتبجيل، وما إلى ذلك من الافتتان بشخصه، حتى وقف على جموعهم يقول لهم، وهو المؤمن التقي، والقائد المتواضع:(يا أيها الناس، إني مسلم من قريش، وما منكم من أحد، أحمرَ ولا أسود يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه). أجل، ذلك هو المعنى الذي يعلمه الأمين أبو عبيدة، حق العلم، وأخذ يعلمه الناس، من أن التقوى هي رأس الدين، وأصل المرء، وميزان التفاضل، بها يكرم العبد عند ربه.

في يوم من الأيام، زار أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، الشام فعلم الناس بمجيئه فأقبلوا يستقبلونه مرحبين به فرحين بزيارته، فرأوه يقلب بصره كأنما يبحث عن شيء، وإنه لكذلك، حتى سألهم: أين أخي؟ أين هو؟ فعجب الناس، وتساءلوا فيما بينهم: ألي أمير المؤمنين أخ معنا؟!. والله إنا لا نعلم أن له أخا ههنا، فتُرى من يعني، فلم يجدوا بدا من سؤاله: من أخوك يا أمير المؤمنين؟. فأجابهم عمر: أخي أبو عبيدة، عامر بن الجراح، فما لبث أن رآه آتيا يشق طريقه بين زحام الناس، فأقبل عمر عليه، واعتنقه باشتياق بالغ، وفرح شديد، ثم صحبه أبو عبيدة إلى داره، وما تُرى هي داره؟ وما تحويه من متاع وأثاث؟. تعالَوْا فلننظر؟

دخل عمر الدار، فلم ير فيها شيئا مما يقتنيه الناس، ويعيشون به، لم يجد سوى أدوات القتال والجهاد، من سيف وتُرس ونحو ذلك، وشيء زهيد مما يُتبلّغ به في المعيشة، حصيرٌ بالٍ، وقُربة ماء خلِقة، ساعتئذٍ سأل عمر: يا أبا عبيدة، ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس؟. فقال: يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المَقيل. فقال عمر بتوجع: غيرتنا الدنيا كلنا، غيرك يا أبا عبيدة. وازداد عمر هنا محبة لأبي عبيدة، فوق محبته الأولى.

عاد عمر إلى المدينة، ثم بعد فترة من الزمن، ترامت إلى سمعه أنباء الوباء الذي دهى الناس في الشام، ذلك الطاعون الوبيل، الذي اجتاحهم، فحصد أرواحهم، وفتك بخلق كثير، فراعت عمر تلك الأنباء، فكتب رسالة إلى أبي عبيدة، قال فيها:(إني بَدَت لي إليك حاجة لا غنى لي عنك فيها، فإذا أتاك كتابي ليلا، فإني أعزم عليك ألا تصبح حتى تركب إليّ، وإن أتاك نهارا، فإني أعزم عليك ألا تمسي حتى تركب إليّ)، أراد عمر رضي الله عنه، استبقاءه للأمة، فهو أمينها، وهكذا يعرف الرجالُ أقدار الرجال، فلا يُجحد ذو فضلٍ فضلَه. بلغ كتاب عمر هذا أبا عبيدة، فقال:(قد علمت حاجة أمير المؤمنين إلي، فهو يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ)، وكتب إليه:(يا أمير المؤمنين، إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين، ولا أجد بنفسي رغبة عن الذي يصيبهم، ولا أريد فراقهم حتى يقضي الله فيّ وفيهم أمره، فإذا أتاك كتابي هذا، فحلِلني من عزمك، وائذن لي بالبقاء).

لما قرأ عمر كتابه هذا، بكى وفاضت دموعه، فقال مَن عنده، حين رأوا حالته هذه: أمات أبو عبيدة، يا أمير المؤمنين؟. فقال عمر: لا، ولكن الموت منه قريب. ولقد صدق ظن عمر، وما كذب حدسه، إذ أصيب أبو عبيدة بالطاعون، وشاء الله أن يموت به، فتوفي رضي الله عنه، في أرض (عمواس)، سنة ثماني عشرة للهجرة، وله من العمر ثمان وخمسون سنة، وقام معاذ بن جبل في أهل الشام، قام النَّعِيُّ فأسمعا، ونعى الكريمَ الأروعا، فقال:(أيها الناس، إنكم فُجِعتم برجل، ما أزعم والله أني رأيت من عباد الله قط، أقل حقدا، ولا أبرَّ صدرا، ولا أبعد غائلة، ولا أشد حياءً، ولا أنصح للعامة منه، فترحموا عليه)..

لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته

جاء الناعي المدينة بهذا النبأ الأليم، ونعى للمسلمين، أمين الأمة، فبكَوْا وحزنوا، أشدَّ البكاء والحزن.

وكان مبلغ النَعْي عظيما على أقواهم إيمانا، وأحزمهم نفسا، على عمر بن الخطاب، الذي بكى أخاه العزيز الكريم عليه، ولنا أن ندرك قدر أبي عبيدة عنده، فيما روي عنه أنه قال: (لو كنت متمنيا، ما تمنيت إلا بيتا مملوءاً برجال من أمثال أبي عبيدة). وما نسي عمر أبا عبيدة، بل ذكره حتى في أشق ساعة في الحياة، وهو يجود بأنفاسه، فقال: (لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي عنه قلت: سمعت نبيك صلى الله عليه وسلم يقول: هو أمين هذه الأمة).

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"