بقلم : نعيم محمد عبد الغني الإثنين 04-07-2016 الساعة 01:39 ص

يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي

نعيم محمد عبد الغني

من المواضع التي تشتبه على القراء لفظتي يخرج ومخرج، وعطف اسم الفاعل على المضارع، وذلك في قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) الأنعام: 95.

وقال في سور أخر قبلها وبعدها: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) الروم: 19.

قال الخطيب الإسكافي: للسائل أن يسأل فيقول: لم عطف الاسم على لفظ الفعل ولم يعطف عليه لفظ الفعل، كما قال في السور الأخر؟ وإذا عطف عليه بلفظ الاسم وهو (مخرج الميت من الحي)، هلا ذكر اللفظ الأول بالاسم فيقول: مخرج الحي من الميت، فما الفائدة في ذلك؟ وما الفرق بينها وبين الآي الأخر؟

والجواب أن يقال: إن أول هذه الآية ذكر بلفظ الاسم وهو (فالق الحب والنوى) فكان اللائق به أن يقال: ومخرج الحي من الميت ولكنه لما اجتمع ثلاثة حروف من حروف العلة دفعة واحدة، وهي: الواو من النوى والياء من النوى والواو من مخرج وهي واو العطف، ونقل عن لفظ الاسم إلى لفظ الفعل لما كان يخرج ومخرج بمعنى واحد، فقال: (يخرج الحي من الميت) فجعل الجملة وهي: (يخرج الحي من الميت) خبر الابتداء، كما تقول: إن زيدا ضارب عمرو يكرم بكرا، ومكرم جعفرا، فهذا أفصح من أن تقول: إن زيدا ضارب عمرو، ومكرم بكر، ومكرم جعفر، فلهذا المعنى قال: (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي).

فلما انتهى إلى العاطف من قرينه لم تكن فيه تلك العلة التي كانت في المعطوف عليه فأجري على ما أجري عليه اول الآية، وهو: (فالق الحب) وما بعده: (فالق الاصباح وجعل الليل سكنا) الأنعام: 96، وعاد إلى لفظ الاسم وهو: (ومخرج الميت من الحي)، وعطفه على (فالق الحب)، وليس في الآي الأخر ما في هذه الآية قبلها وبعدها من الاسمية، فذكر فيها على لفظ الفعل عاطفها ومعطوفها فبان الفرق بينهما على ما بينت. هذا ما انتهى إليه الإسكافي، ولكني سأبحث هذا الموضع في سورة الأنعام فقط في ضوء ما قاله النحاة؛ حيث جاء اسم الفاعل (مخرج) معطوفا على المضارع (يخرج)، وقد أول هذا على رأيين أيضا: الأول يرى أنه (مخرج) اسم فاعل عطف على (فالق) وجملة (يخرج الحي من الميت) مبينة، والرأي الثاني يقول إن (مخرج) مفردة عطفت على الفعل، ولكل حجته وتأويله؛ فالأول يرى أن عطف الاسم على الفعل قبيح، ومن ثم فهي معطوفة على اسم الفاعل، وقد وقعت المفردة (مخرج) بين أسماء فاعلين: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح، فجاءت مشابهة للفظ ومشاكلة له، ولم تكن المواضع الأخرى في القرآن كذلك، بل كانت كلها بصيغة المضارع (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي)، ودلالة الإتيان باسم الفاعل تتمثل في أن لفظ الفعل (يخرج) يدل على أن ذلك الفاعل يَعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان. وأما لفظ الاسم (مخرج) فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة، "ومن ثم فالحي أشرف من الميت، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل، وعن الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيهاً على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي".

وأما الرأي الثاني — وهو الذي أميل إليه — فلا يرى حرجا في أن يعطف الاسم على الفعل؛ فيعتمد على شدة المشابهة بين اسم الفاعل والمضارع، وجاء العدول في الآية "إرادة تصوير إخراج الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع، وذلك إنما يتأتى بالمضارع دون اسم الفاعل، ولا شك ان إخراج الحي من الميت أظهر في القدرة من عكسه، وهو أيضا أول الحالين والنظر أول ما يبدأ فيه، ثم القسم الآخر ثان عنه فكان الأول جديرا بالتصوير والتأكيد في النفس، ولذلك هو مقدم أبدا على القسم الآخر في الذكر حسب ترتيبهما في الواقع وسهل عطف الاسم على الفعل وحسنه أن اسم الفاعل في معنى المضارع وكل منهما يقدر بالآخر فلا جناح في عطفه عليه".

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"