بقلم : صالح عطية الإثنين 04-07-2016 الساعة 01:59 ص

باريس تستقبل النهضة: الاحتواء المزدوج!

صالح عطية

نجحت قيادة حركة النهضة بزعامة الشيخ راشد الغنوشي، في كسر روتين التوتر الذي خيّم على علاقتها بالدولة الفرنسية لعدّة عقود، وبخاصة منذ ثورة 14 يناير 2011، حيث تميّز الموقف الفرنسي من الإسلاميين في تونس، بالقطيعة، إن لم نقل العداء الذي كانت تستبطنه سواء في علاقة مباشرة بالحركة عندما كانت في الحكم، أو من خلال البرود الذي ميّز مواقف الفرنسيين من الترويكا التي حكمت بين 2011 و2013، فيما كانت باريس تتودد سرا وعلانية للتيارات اليسارية والعلمانية، وتستقبل مؤسساتها الكثير منهم بنوع من الأريحية، بدا واضحا من خلاله مستوى تحالفاتها صلب المشهد السياسي والحزبي آنذاك.

لذلك، عندما أعلن عن زيارة وفد من حركة النهضة إلى باريس، ومقابلته وزير الخارجية الفرنسي، جون مارك أيرو، ورئيس البرلمان الفرنسي، ومسؤولين عن الاتحاد الأوروبي في فرنسا بالذات، أدرك المراقبون أن ثمّة دماء جديدة بدأت تدبّ في شرايين العلاقة بين الطرفين، تتجاوز منطق الاختراق، الذي ذهب إليه بعض المحللين، ليرتقي إلى مستوى التبدّل التامّ في التحالفات الفرنسية وتعامل باريس مع الشأن التونسي.

كانت هذه أول مرّة - وفق المعلومات التي لدينا - تلتقي فيها فرنسا الرسمية مع قيادات نهضوية، على الأقل منذ نحو خمس سنوات.. صحيح أن ثمّة لقاءات فرنسية بزعيم الحركة في تونس، لكنها كانت تتم في كنف السرية الحزبية، وفي حدود ما تتيحه البلاغات الإعلامية الصادرة عن الحركة..

اللافت في هذا السياق، أن بعض قيادات حركة النهضة، كانت قد فتحت قنوات اتصال وعلاقات مع سياسيين فرنسيين منذ عدّة عقود، مما سمح بقبول الكثير من النهضويين، زمن الحصار والمتابعة الأمنية للنظام المخلوع، ويبدو أن هذه القنوات اشتغلت على "عملية التطبيع" مع فرنسا، لكن الرياح العاصفة التي رافقت حكم الترويكا، جعلت هذه المساعي في حكم المؤجّل..

ولا شك أن تطورات مهمة حصلت في مستوى موازين القوى في تونس، أقنعت الفرنسيين، بأن سياسة "العداء الدائم" للإسلاميين، لم تعد ممكنة، ولعلّ من بين هذه التطورات:

** تفكك الأحزاب السياسية المحسوبة على العلمانية والمتماهية مع النخب الفرنسية، بيمينها ويسارها، تفكك تتحكم فيه صراعات وخلافات وتناقضات من الصعب تسويتها في الأمد القريب على الأقل.

** أن جزءا من هذه النخب اليسارية والعلمانية، القريبة تاريخيا من باريس، يبدو حاليا كما لو أنها تتحسس طريقها نحو التموقع السياسي، وبالتالي فهي بعيدة عن مجالات التأثير في المشهد التونسي..مما يجعل التعويل على مكونات مشوّشة من هذا القبيل، أمرا معوقا لدولة مثل فرنسا ترغب في أن تكون مؤثرة في المشهد التونسي، وفي مجالات صنع القرار فيه.

** في مقابل هذا الوضع السياسي الهشّ، بدت حركة النهضة الحزب الأكثر تنظما، والأكثر براجماتية في وضع سياسي تونسي صعب ومعقّد، فضلا عن معدل الأعمار صلب هذه الحركة، الذي لا يتجاوز الخمسة والثلاثين عاما، بما يجعل الرهان على حزب بهذه المواصفات، أمرا منطقيا في عرف الدول التي لديها مصالح وتريد أن تطمئن عليها لفترة طويلة..

لا ندري هل نحن بإزاء احتواء فرنسي للإسلاميين، أم العكس؟

مهما يكن من أمر، فالرسالة الأساسية، في تقديرنا، هي أن حركة النهضة، باتت جزءا من لعبة التحالف الدولي بجميع تفرعاتها، عربيا وغربيا.. وربما الرسالة الأهم، التي قد تكون أقضّت مضجع خصوم حركة النهضة، هي أن فرنسا قد غيرت بوصلتها باتجاه مصالح جديدة وتحالفات مستجدّة، لا يهم فيها اللون، إذا كان إسلاميا أو شيوعيا أو تروتسكيا، بقدر ما تهمّ المصالح، ومن هو المعبّر عنها بقوة.

ويبدو أن الفرنسيين وهم يستقبلون وفدا من حركة إسلامية، كانت إلى وقت قريب (قبل الثورة)، تستعديها بخطاب هووي ثقافي موغل في القطيعة، أرادوا من خلال ذلك أن يبعثوا برسالة مبطّنة مفادها، أن الإسلام السياسي ليس سلّة واحدة، وثمّة تمييز داخل هذه السلّة بين تجارب وسياقات وحيثيات.

ربما لم يتوافر الوقت الكافي لحركة النهضة لتسويق حصيلة مؤتمرها العاشر، رغم أن مخرجاته ليست من النوع الرفيع، لكنها بهذه الزيارة، قد وضعت سقفا عاليا، سيحملها مسؤولية أكبر خلال المرحلة المقبلة.

هل ناقش النهضويون تفاصيل تخص الأزمة السياسية في تونس؟ هل تلقوا إملاءات من

فرنسا/ أولاند؟ وأخيرا وليس آخرا، هل لهذه الزيارة علاقة بترتيبات جديدة للوضع التونسي، يرغب الفرنسيون في أن يسوقوه من خلال حركة النهضة؟

من المبكّر جدا، الحديث عن رهان غربي استراتيجي مع النهضة، لكنّ الأمر المؤكد، أن هذه الحركة أضحت رقما مهما في معادلة السياسة والحكم في تونس المستقبل، وهي الرسالة الفرنسية التي على الطبقة السياسية في تونس التقاطها قبل فوات الأوان.

زيارة الشيخ الغنوشي إلى باريس ليست من فئة زيارات "السياحة السياسية"، بقدر ما تؤشر لموازين قوى جديدة سيعرفها المشهد التونسي في غضون الأسابيع القادمة، ويمكن أن يكون التشكيل الحكومي القادم، أحد تمظهراتها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"