بقلم : نعيم محمد عبد الغني الثلاثاء 05-07-2016 الساعة 02:59 ص

ترتيب المفردات مع حروف العطف

نعيم محمد عبد الغني

من الأمور التي تتشابه على القراء، أن يخلطوا بين المفردات في أسلوب العطف، أو أن يأتوا بحرف عطف لم يرد في القرآن، وهذا تحدث عنه النحاة والبلاغيون، حيث تحديد أي المفردات يسبق حرف العطف وأيها يأتي تاليا، مثل قوله -تعالى-: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا"، حيث بين السهيلي أن قول سيبويه: "كأنهم يقدمون الذي هم ببيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم" يحتاج إلى بيان وتفصيل، وقال: "ما تقدم من الكلام فتقديمه في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان، والمعاني تتقدم بخمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال".

ثم يقول: "وربما كان ترتيب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى، كقوله: "ربيعة ومضر" وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل، ولكنهم آثروا الخفة؛ لأنك لو قدمت "مضر في اللفظ كثرت الحركات وتوالت، فلما أخرت وقف عليها بالسكون".

إن السهيلي جعل السبب في ترتيب المعطوفات دلاليا وشكليا، وكان السبب الدلالي غالبا؛ لأن هذه الأسباب الخمسة التي ذكرها كلها أتت من استقراء لأمثلة في السياق القرآني، وليست هذه الأسباب حاسمة بحيث يمكن أن تعد قانونا لتفاعل المفردات مع الوظائف النحوية التي تربط بينها حروف العطف، حيث إننا نجد مثلا ابن الصائغ يزيد هذه الأسباب إلى عشرة أنواع، هي: التبرك، والتعظيم والتشريف والمناسبة، والحث على المتقدم، والحض على القيام به حذرا من التهاون، والسبق، والسببية، والكثرة، والترقي من الأدنى إلى الأعلى، والتدلي من الأعلى إلى الأدنى.

وبالنظر إلى الأسباب الخمسة التي قالها السهيلي مع الأسباب العشرة التي ذكرها ابن الصائغ، يظهر أن هذه الأسباب يمكن ردها إلى الأسباب الخمسة؛ فمثلا الترقي من الأدنى إلى الأعلى والعكس يمكن أن يندرج تحت سبب الرتبة؛ إذ صرح ابن الصائغ أن الرتبة معنوية، ومن ثم فإن هذه الأسباب تظل اجتهادا قائما على استقراء النص، وهي قابلة للزيادة والتعديل حسب الفهم والتأويل.

ويعتمد ابن الأثير في تحليل اختيار حروف العطف على الشكل والدلالة معا، فيقول: "أما حروف العطف فنحو قوله -تعالى- "الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" (82) الشعراء "فالأول عطفه بالواو التي هي للجمع، وتقديم الإطعام على الإسقاء، والإسقاء على الإطعام جائز لولا مراعاة حسم النظمِ، ثم عطف الثاني بالفاء؛ لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهماِ، ثم عطف الثالث بثم؛ لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمانِ ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخيِ، ولو قال قائل في موضع هذه الآية: الذي يطعمني ويسقين ويمرضني ويشفين ويميتني ويحيين لكان للكلام معنى تام إلا أنه لا يكون كمعنى الآية إذ كل شيء منها قد عطف بما يناسبه ويقع موقع السداد منه".

فابن الأثير في هذا النص قد ذكر أسبابا دلالية وشكلية في اختيار حروف العطف، وطريقة ترتيب المفردات؛ فالفاصلة القرآنية كانت سببا في تقديم الإطعام على الإسقاء، ثم كان الترتيب الزمني في اختيار فاء العطف بين المرض والشفاء وأيضا في حرف العطف ثم بين الموت والإحياء؛ فالواو لا يمكن أن تقوم مقام هذه الحروف في هذا السياق القرآني لتؤدي هذه الدلالة فرغم أنها تفيد مطلق الجمع وأن الله قادر على جمع هذه الأشياء التي ذكرها سيدنا إبراهيم -عليه السلام- إلا أنها تبين جانبا واحدا من جوانب قدرته، فالله الذي خلق وأطعم وأمات وأحيا له قدرة في تنظيم قوانين الطعام والشراب والمرض والشفاء والموت والحياة، ومن بين هذه القوانين الزمن بين هذه الأفعال، وفي ذلك قمة الحجاج العقلي لقوم إبراهيم الذين عبدوا الأصنام من دون الله.

فلا بد إذن من المناسبة الدلالية بين المفردات وحرف العطف، فالواو إذا أفادت الإشراك في الحكم، فهذا الإشراك ليس مقصورا على الحكم الإعرابي فقط، بل يشمل الإشراك الدلالي أيضا، "فلو قلت: زيد طويل القامة وعمرو شاعر كان خلْفا؛ لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر، وإنما الواجب أن يقال: "زيد كاتب وعمرو شاعر، وزيد طويل القامة وعمرو قصير، وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في الجملة لفقا لمعنى في الأخرى ومضاما له".

وموضع حرف العطف في التركيب يحدد صيغة الفعل في بناء الجملة ومعناه؛ فهناك من "الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعةِ ويعطي ظاهره أنه كذلك إلا أن معناه يكون مخالفا لمعنى فعل المطاوعة، فيعطف حينئذ بالواو لا بالفاءِ كقوله -تعالى-"ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا"، فقوله "أغفلنا قلبه"، هنا بمعنى صادفناه غافلا وليس منقولا عن غفل حتى يكون معناه صددناه؛ لأنه لو كان كذلك لكان معطوفا عليه بالفاءِ وقيل فاتبع هواه، وذلك أنه يكون مطاوعا".

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"