بقلم : صالح عطية السبت 16-07-2016 الساعة 01:46 ص

موضوع "الخلافة" يعود للظهور مجددًا في تونس

صالح عطية

خاض "شعب الفيسبوك" ومواقع التواصل الاجتماعي على امتداد أسبوع العيد، في مسألة غياب رئيس الجمهورية عن الإعلام، وعدم ظهوره في صلاة عيد الفطر، وعدم إلقائه كلمة لتهنئة التونسيين بالعيد مثلما فعل جميع الرؤساء الذين تداولوا على قصر قرطاج، منذ بورقيبة، مرورا بالمنصف المرزوقي، ووصولا إلى الباجي قايد السبسي.

زعم البعض أن رئيس الجمهورية في وضع صحي يتكتم القصر وحاشيته عن الإفصاح عنه، وادعى آخرون أن الرجل خارج البلاد في جولة سياحية، وتألفت من أجل ذلك قصص وحكايات وسيناريوهات، بعضها من باب الدعابة، والبعض الآخر، من فئة الملح الثقيلة والوقحة التي لا تستحق الذكر.

ولعل أبرز تعليق نال إعجاب الآلاف المؤلفة من الرأي العام التونسي، هو أن الرؤساء هم الذين يسألون عادة عن حال شعوبهم، فيما الشعب التونسي هو الذي يسأل عن حال رئيسه.

وبالطبع، تحركت أجهزة الدولة للردّ على "قلق" الإعلاميين والسياسيين والرأي العام برمته، فصدر بيان رسمي يتحدث عن "سيناريو إرهابي يقف وراءه تنظيم داعش لاغتيال رئيس الجمهورية"، كما أُبلغت الجهات المعنية من قبل "دولة أجنبية شقيقة"، وهو ما أكدته سفارة أجنبية في تونس للأجهزة الأمنية التونسية لاحقا. الأمر الذي اضطر القصر إلى إلغاء مشاركة الرئيس في مراسم صلاة عيد الفطر.

تلك هي الحيثيات العادية للحدث، وبعض ردود الفعل من حوله، لكنّ اللافت والأهم هو تداعيات الخبر، ونقاشات الغرف المغلقة للأحزاب والسياسيين. فعدم ظهور رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، مع ما يتردّد عن وضعه الصحي وتقدمه في السنّ، طرح مسألة "الخلافة" مجددا في تونس. ومن بوسعه أن يخلف الرئيس على سدّة الحكم في حالة تعرّضه لمكروه، لا سمح الله، وهل يتولى رئيس مجلس نواب الشعب مهامّ الرئاسة لمدّة من 45 إلى 90 يوما، تعقبها انتخابات رئاسية سابقة لأوانها، مثلما ينصّ على ذلك دستور البلاد؟ أم يفوّض الأمر إلى المؤسسة العسكرية لكي تتولى دفّة الحكم لفترة محددة، في وضع انتقالي كالذي تعيشه تونس؟! مثلما دعت إلى ذلك رموز سياسية وحزبية بشكل صريح وواضح على شبكات التواصل الاجتماعي. رغم علم هؤلاء وغيرهم بأن المؤسسة العسكرية اختارت أن تكون فوق الصراع السياسي، حامية للبلاد واستقرارها، وهي التقاليد التي عُرفت بها في عالم عربي كان الجيش مصدر نكباته وعوائقه.

وبالطبع، اتسعت دائرة خيال المحللين والسياسيين لتشمل دور "اللاعبين الدوليين والإقليميين"، وحظوظ التوافق السياسي الداخلي بين عائلات حزبية يعشّش الخلاف والصراع، إن لم نقل الحقد، بين مكوّناتها.

وهكذا، ومن حيث لا تدرك حاشية رئيس الجمهورية، التي لم تفكّر في "إخراج إعلامي سياسي" لتغيّب السيد الباجي قايد السبسي عن مراسم العيد، أثارت مشكلا حقيقيا، يتحفّظ السياسيون على طرحه وتناوله بكيفيّة صريحة: كيف يمكن مواجهة شغور في منصب رفيع المستوى في الدولة مثل رئاسة الجمهورية؟ هل يتمّ اللجوء إلى الدستور؟ أم تتعقّد الأمور وتساهم هشاشة الوضع السياسي في ملابسات قد تعصف بثورة وتجربة برمتها؟

من المؤكد، أن "المطابخ السياسية"، وغرف صنع القرار في البلاد، منتبهة لهذا السيناريو، ولن تدع الأمور تفلت من عقالها كما يقال. لكنّ الأمر المهم المسكوت عنه في النقاشات حول موضوع "الخلافة"، هو تجديد الطبقة السياسية التي يشهد غالبيتها، على أن رموز الماضي في الحكم والمعارضة هم ذاتهم رموز المشهد اليوم. أما الثمن الباهظ لذلك فهو أن النخب الشابة التي صرفت الدولة لتكوينها موازنات ضخمة طيلة الأربعين عاما الماضية -على الأقل- هي اليوم خارج السياق تماما.

لا يكاد المرء يفهم كيف أن بلدا أنجز ثورة وبشّر بتغيير راديكالي في السياسة وإدارة الحكم، هو اليوم يعيد إنتاج النخب ذاتها، وربما السياسات نفسها في مشهد معدّل أعمار شبابه ونخبه بين 35 و50 عاما.

مفارقة عجيبة.. مع كل ذلك، عيد سعيد لسيادة الرئيس، الذي إذا تحرك، أثار الغبار من ورائه، وإذا ما غاب حرك الرمال في المياه الراكدة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"