بقلم : سعد بن طفلة العجمي الثلاثاء 19-07-2016 الساعة 01:17 م

العرب بين التتريك والاستدراك والأتركة!

سعد بن طفلة العجمي

يعود مصطلح التتريك لنهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وقرارات ونصوص تبناها عتاة القوميين الأتراك بتحويل المناطق التابعة لتركيا إلى التركية وتبديل أسماء مدنها وقراها وفرض اللغة التركية حصرا على سكانها.

انشغل العرب ـ والعالم معهم - بمحاولة الانقلاب التي جرت بتركيا ليلة الجمعة الماضية، فغالبيتهم الساحقة عارضت الانقلاب وتمنت فشله ومن بينهم كاتب هذه السطور، على الرغم من أن رفضي أو تأييدي لن يغير من الأمر شيئا، فالمسألة تركية، والشعب التركي بكافة أحزابه وقواه رفض الانقلاب واصطف وراء الشرعية الدستورية ونزل إلى الشوارع حماية للعلمانية التي جاءت بالديمقراطية.

لكن المعارضين العرب- وكعادتهم- انشقوا بدورهم إلى فريقين يمكن تسميتهم بفريقي "المستدركين" والمتأتركين. فالأول يرفض الانقلاب ولكنه يستدرك بعد تطورات الأحداث بأن الانقلاب محاولة فاشلة من قبل فئات بالجيش حاولت أن تتغدى باردوغان وحزبه قبل أن يتعشى بهم، ودليلهم في ذلك مسألتين:

الأولى أن الأيام التي سبقت محاولة الانقلاب كانت حافلة بأحداث لا يمكن لمراقب إغفالها، فقد أزيح رئيس الوزراء وساعد الرئيس اردوغان الأيمن- أحمد داوود اوغلو- وقيل وقتها أن سبب إزاحته هو تلكؤه في التصدي للدولة "الموازية"، وعمل سلفه بن علي يلدريم بسرعة سياسية هائلة على تهدئة الجبهات الخارجية الساخنة، حيث اعتذرت تركيا لروسيا، وتمت الاتصالات بين البلدين وأعيدت رحلات المصطافين الروس، وأعاد اردوغان العلاقات إلى سابق عهدها القوي مع إسرائيل، وأرسل رسالة طمأنة للأوروبيين بأنه سيحل لهم مشكلة اللاجئين بإعلانه الجدلي بأنه سيجنس اللاجئين السوريين، ولمحت تركيا لإمكانية إعادة العلاقات مع مصر مرسلة وفدا للقاهرة، بل ذهب رئيس الوزراء التركي إلى أبعد من ذلك بأن صرح بعدم ممانعة تركيا أن يبقى رئيس النظام السوري بشار الأسد بالرئاسة فترة انتقالية. يقول المستدركون العرب أن هذه التهدئة للجبهات الخارجية لا يمكن أن تكون عبطية وصدفة سياسية، بل إن سرعتها تؤكد على أن الحكومة التركية كانت في سباق مع الزمن لتهدئة الخارج من أجل التفرغ للداخل.

وثانية استدراك المستدركين العرب أن سرعة إعلان فصل وتجميد الآلاف من القضاة ووكلاء النيابة ورجال القانون وموظفين عامين وحكام أقاليم ورجال شرطة، ناهيك عن اعتقال وتسريح الآلاف من الجيش وقياداته بكافة الرتب، بل وتضارب اشتراك رئيس القوات الجوية- الجنرال اكين اوزتوك- من عدمه بالانقلاب، تشير إلى أن هذه القوائم كانت معدة سلفا للتخلص منهم، فمن غير المعقول أن يتم رصد هؤلاء والإعلان عن أسمائهم خلال ساعات من الانقلاب، وخصوصا رجال القضاء والقانون حيث جرى الانقلاب ليلة الجمعة أي ببداية عطلة الأسبوع، وقد أعاد فصل رجال القانون للأذهان معركة الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي مع القضاء والنائب العام. وللتذكير فإن مرسي واردوغان ينتميان لنفس التيار الديني السياسي.

أما المتأتركون العرب فهم فريق وقف بكل ما لديه من قوة خطابية وإعلامية اجتماعية وفتاوى دينية مع الرئيس التركي اردوغان رغم أن الأتراك الذين خرجوا ضد الاتراك لم يرفعوا صوره، بل رفعوا العلم التركي، لكن المتأتركين تنادوا من كل حدب وصوب دفاعا عن "الديمقراطية والعلمانية بل والإسلام" التي يمثلها الرئيس طيب رجب اردوغان، وشنوا هجوما كاسكا على كل "مستدرك" أو متساءل أو متشكك بإجراءات اردوغان "الانتقامية" عقب الانقلاب الفاشل، وراحوا يعطونهم دروسا في القيم الديمقراطية ومباديء العلمانية وحقوق الإنسان، ويذكرونك بالقفزات الاقتصادية الهائلة التي حققتها تركيا بعهد اردوغان، وإن عجزت خيلهم راحوا يستمدون من التراث الديني الفتاوى والقصص والأساطير لتبرير أتركتهم المحمومة. فهذا داعية شهير حلم باردوغان ليلة الانقلاب، وذاك حلم بالرسول الكريم يوصي الأتراك بالرئيس اردوغان، ووصلت الأتركة بأحدهم أن رد على أحد المستدركين المتخوف من الانتقام الذي قد يؤدي لتمزق المجتمع التركي بقوله: "لو يبول اردوغان على رؤوسهم لقلنا ما أرحمه فهو يغسلهم ببوله الطاهر" (هكذا).

وتذكرنا الأتركة بفرعنة الرؤساء بمصر منذ عبدالناصر حتى السيسي مرورا طبعا بالرئيس المخلوع محمد مرسي، كما تذكرنا بتأليه صدام حسين، وتعظيم بشار الأسد من قبل مؤيديه، والتناقض أن المتأتركين العرب ينتقدون بالتخوين "المتفرسنين" العرب (نسبة إلى الفرس)، وأقصد أولئك الذين يحصلون على أموالهم وسلاحهم وتدريبهم وتأهيلهم من قبل إيران ومرشد ثورتها ووليها الفقيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! عقلية بعضها من بعض!

أنا من محبي تركيا ومن المترددين على زيارتها، وتبهرني استانبول بثرائها اللامحدود، وأخشى على تركيا من الانزلاق للدكتاتورية الدينية بعد أن نجت من الدكتاتورية العسكرية قبل أيام، لكن شعوري لن يغير من الأمر شيئا، فالأمر بيد الشعب التركي العظيم، والخطر على الاستقرار التركي متعدد الاتجاهات والمنافذ، ولعل أحد هذه المخاطر تأتي من المتأتركين العرب الذين سيدفعون اردوغان دفعا إلى ما آلت إليه اوطانهم وبلدانهم من خراب ودمار إن سار نحو التسلط والاستفراد والانتقام.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"