بقلم : صالح عطية الجمعة 22-07-2016 الساعة 12:37 ص

النخب التونسية ... وانقلاب تركيا

صالح عطية

كشف الانقلاب الفاشل في تركيا مرة أخرى، عن وجود جزء من النخب التونسية، التي لم تتجاوز الفكر الاستقطابي الذي طالما قسّم التونسيين والطبقة السياسية إلى شقين اثنين، وربما كاد أن يؤدي بالبلاد خلال عامي 2012 و2014، إلى ما يشبه الحرب الأهلية.

فقد ظهرت أصوات تنتصر للانقلابيين، وتنظر لما يجري في تركيا على أنه صراع النموذج الإخواني مع المثال العلماني الناجح منذ أتاتورك مرورا بأجاويد وصولا إلى تورغوت أوزال وغيرهم.

الغريب أنّ هذه الأصوات كانت تجدّف ضدّ التيار العلماني ذاته في تركيا، الذي رغم كل صراعه ومناكفاته مع الحكم الراهن لحزب العدالة والتنمية، انحاز للديمقراطية ووقف بوضوح لا غبار عليه ضدّ الانقلاب، بل اعتبر أن مرحلة الانقلابات لا بدّ أن تنتهي من تاريخ تركيا المعاصر.

وربما من باب الصدفة، أن نجد الأصوات التي كانت حاولت الانقلاب على الترويكا الحاكمة في عام 2013 في تونس، والتي استدعت الجيش لافتكاك السلطة، هي ذاتها التي تقف اليوم مع الانقلابيين، وتحاول أن تجد تبريرات لفعلهم اللاديمقراطي، بصرف النظر عن كونهم فاعلا أم أداة بأيدي قوى خارجية.

لم يفهم جزء من النخب، أن تركيا تغيرت خلال العشرية الأخيرة، ولم يستوعب هؤلاء كذلك، كون أنقرة باتت جزءا محددا في "اللعبة الكبرى" الجديدة في العالم، في ظلّ وضع عربي باهت يهيمن عليه عجز النظام الرسمي، وبالتالي فالتحاليل التي لا تزال سجينة التوصيف الإيديولوجي علماني / إسلامي في تركيا، أضحت من قبيل "القصص القديمة"، فالأمر يتعلق بتحول إستراتيجي عميق، في حكم أدرك أصحابه أنّ قوة الشعوب ليست في ترسانتها العسكرية، أو في الإذعان لإملاءات خارجية، أو في دكتاتورية حكامها وقمعهم لتطلعات شعوبهم وأحلامها، إنما الشعوب تساس بالرموز والمعاني وقدر عال من الثقة والمصداقية، وبالطبع بكثير من البراجماتية السياسية، والتخطيط الإستراتيجي، وتلك من بين المفاتيح الأساسية لفهم ما يجري في تركيا.

ليس حزب العدالة والتنمية سوى سياق تاريخي مرحلي في تركيا، نذر رجاله وعقوله أنفسهم لخدمة شعبهم، وعندما أتيحت له فرصة الحكم، لم يرتعش، ولم يقرأ الحاضر بأدوات التاريخ القديم، إنما تحمل مسؤولياته كاملة، واضطلع بأعباء بلاد تتهافت عليها الأمم من كلّ حدب وصوب.

وعندما تقفز بعض النخب التونسية، وحتى العربية، على هذه المعطيات، تسقط في ذلك النحيب الإيديولوجي، الذي يجعل تحليلها وفهمها خارج السياق التاريخي تماما.

بالطبع، لسنا هنا في مجال تقييم النظام التركي ومسار العدالة والتنمية في الحكم، لأن ما يجري في تركيا ودور الحكم الراهن في مسارات إقليمية على غرار ما يجري في سوريا والعراق تحديدا، يحتاج إلى كثير من القول والاستفهام. فليست السياسات التركية الراهنة، وما يقوم به أردوغان، محمولة كلها على الرضا والانتشاء، إنها جزء من لعبة معقدة في المنطقة، ليس هنا مجال تفكيك شفراتها.

نحن بحاجة في العالم العربي إلى من ينظر إلى مجريات الأمور والتطورات من حولنا بأدوات تحليل ترقى إلى لغة العصر وميكانيزماته، وإلى منطق التحالفات الجديدة وموازين القوى، لا أن نغمس رؤوسنا في التراب ونحن نتطلع إلى زيارة السماء.

الاستقطاب كان جزءا من الصراع السياسي في بلدان الربيع العربي، لكن الأوضاع اليوم تبدّلت، والسياقات تغيّرت، والتحالفات اتخذت منحى مختلفا عن السنوات الأولى للثورات العربية، وتغيير بوصلة النظر إلى قضايانا ومشكلاتنا والتطورات الحاصلة في محيطنا الإقليمي والدولي بات أمرا مهما للنخب العربية، عسى ألا تكون خارج اللحظة التاريخية الراهنة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"