بقلم : صالح عطية الخميس 04-08-2016 الساعة 01:08 ص

إسقاط رئيس الحكومة..هل هو الخيار الأنسب؟

صالح عطية

أخيرا، وبعد لأي كبير، وأخذ وردّ، وشدّ وجذب استمر لما يزيد على الشهرين، تقرر سحب الثقة من رئيس الحكومة التونسية، السيد الحبيب الصيد، في أعقاب جلسة برلمانية صاخبة، استمع الرأي العام التونسي فيها، إلى لغة تهيمن عليها الحسابات الضيقة، والمناكفات الشخصية، الأمر الذي حوّل هذه الجلسة إلى أشبه ما يكون بعمليات "ليّ ذراع" بين أحزاب وشخصيات ومسؤولين في الحكومة..

أراد دولة الرئيس، الحبيب الصيد، أن تكون جلسة تجديد الثقة، كما أطلق عليها في البداية، سياسية، بحيث تتضمن تقييما لمسار إشرافه على الحكومة، ونقاشا حول أفق الحكم في تونس خلال المرحلة المقبلة، لكن نواب المجلس من كل الأحزاب، إذا استثنينا نواب الجبهة الشعبية (يسارية الوجهة)، ارتأوا أن تكون غير ذلك تماما، وكانوا أشبه ما يكون بـ"المكلفين بمهمة"، أو وكلاء عند غرف مغلقة وسرية، تدير الجلسة ومداخلات النواب من وراء ستار..

تحدّث رئيس الحكومة بلغة سياسية صرفة، فعرض لسلسلة الضغوط التي مورست عليه لكي يسكت عن ملفات ويعالج أخرى، ذات علاقة بـ"الفساد وسنينو"، كما يقال، وحمّل مسؤولية ما وصفه البعض بفشل الحكومة، إلى أحزاب الائتلاف الحاكم بوضوح، وذهب بعيدا عندما أشار إلى المافيات التي ترغب في التأثير على قرارات الحكومة من أجل مصالح وحسابات لا علاقة لها بالقانون ولا بالمؤسسات، وقال إنه نأى بالمؤسسة العسكرية عن الدخول في صراعات كان البعض يرغب في جرّها إليها لأغراض ظاهرها تنموي وباطنها سياسي..

في مقابل هذا المنهج، اختار نواب المجلس منطق "اللف والدوران"، وبدا على مداخلاتهم نفس موغل في الحزبية، مرتهن إلى مطابخ تفوح منها روائح المصالح والمطامع والمافيات الجديدة التي ولدت بعد ثورة 14 يناير 2011، لذلك هيمن على خطابهم نوع من الارتعاشة التي تعكس إرباكا واضحا، وارتهانا لا غبار عليه للوبيات عششت في الدولة، وتسببت لها في اختناق يكاد يقضي على ما تبقى من هيبتها وقوتها وإمساكها بزمام الأمور..

جاء الصيد من أجهزة الدولة، التي تمرّس على عدّة مسؤوليات فيها (الداخلية والوزارة الأولى..)، وكانت استقلاليته محددة لاختياره في منصب رئيس الحكومة، لكن الإسناد الحزبي للائتلاف الحاكم، غاب عنه ولم يلق منه إلا النقد وتحميل المسؤولية، وعندما قرر الرجل تغيير ما يمكن تغييره، أطلت عليه "ماكينة الفساد" بكل ثقلها، وبأخطبوطها الممتدّ في الأحزاب والمؤسسات وحتى الجهات الدبلوماسية، فأعاقته وشلت حركته التصحيحية صلب الحكم، ووجد الرجل نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ، الارتهان للفساد وتسهيل امتداده وسطوته في البلاد، أو الحيلولة دون ذلك، وعندما قال الصيد "لا" للكثيرين من الرؤوس واللوبيات، قرروا إسقاطه والمجيء بمن هو مستعدّ أن يكون جزءا من "اللعبة الجديدة" في البلاد، التي تديرها بيوت وغرف وجماعات ضغط ورجال أعمال وسياسيون وإعلاميون..

صحيح أن الحبيب الصيد، لم يكن الحلّ الأمثل للوضع التونسي، لكنه كان الحلّ الأنسب لمشهد سياسي واقتصادي وإقليمي شديد التوتر والتعقيد.. ربما لم ينجح رئيس الحكومة المقال في وضع لبنات وأسس جديدة لسياسات تونسية ينتظرها الرأي العام التونسي، خصوصا الجهات المهمشة والمفقرة في البلاد، لكنه أجّل الأزمة لمرحلة لاحقة، وعطّل رؤوس الفساد الذين باتت لهم أحزاب ومنابر إعلامية وعلاقات دبلوماسية واضحة..

هل خسر الرجل المعركة؟

في الظاهر نعم، لكن الذي استطاع الصيد أن يظهره على السطح، وأن يجعل منه حديث الناس، هو "المافيات"..لقد وضع هؤلاء في فوهة المدفع، فإما مقاومتهم أو انهيار الدولة ونهاية الثورة وبداية عهد جديد من الفساد براية معلنة خفاقة لا تقلّ خطورة عن رايات الدواعش والجماعات المتطرفة..

في النهاية، سقط الصيد، لكن لا شيء يضمن صعود شخصية جديدة قادرة على "المقاومة"، طالما أن الطبقة السياسية جزء من هذه "اللعبة"، إن لم نقل طرف فيها..

فهل نحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة، أم اللاعبين، أم المشهد برمته؟ إنه السؤال المفتاح لوضع تونسي لم يعد يتحمّل مزيدا من الانتظار أو التسويف، فالفقر يتصاعد، والفساد يستشري، وحالة اليأس تتضاعف، فإما عودة الاستبداد أو اندلاع ثورة ثانية، يسميها البعض "ثورة الجياع".. فهل تملك الطبقة السياسية خيارات أخرى؟

لننتظر..

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"