بقلم : صالح عطية الإثنين 08-08-2016 الساعة 12:31 ص

رئيس الحكومة الجديد.. ومذاق العسل المرّ

صالح عطية

يبدو رئيس الحكومة المكلف، يوسف الشاهد، الذي دخل سلسلة من المشاورات الماراثونية بخصوص التشكيل الحكومي القادم، في وضع لا يحسد عليه، رغم كل أشكال التنويه بالرجل وخصاله القيادية.

فالوضع الذي ورثه الشاهد عن حكومة الحبيب الصيد، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ومن ناحية التوازنات المالية للدولة، قد تعصف بمستقبله السياسي، وهو الذي بالكاد تجاوز العقد الرابع من عمره.

فموازنة الدولة تعيش عجزا ماليا متأزما، ظلّ يتفاقم بمرور السنوات، (يبلغ نحو 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي)، بفعل تراجع الاستثمار الداخلي والخارجي، وتضخم المطلبية الاجتماعية، وسوء تقدير الحاكمين الجدد لبعض الملفات، وهو وضع سينعكس سلبا على تسديد نفقات موظفي القطاع العام الذين يبلغ عددهم زهاء 800 ألف موظف، إلى جانب الحاجة لاعتمادات مالية ضرورية لتوفير الزيادات في أجور الموظفين وأعوان الدولة التي أقرتها المفاوضات الاجتماعية مع النقابات.

وسيكون أمام رئيس الحكومة السابع في الترتيب بعد الثورة، إيجاد حلّ عملي وسريع لمعضلة الحوض المنجمي التي تشهد منذ خمس سنوات عطلا شبه تام في إنتاج الفسفاط، وسط إضرابات واعتصامات لم تنته أبدا، ولم تجد لها الحكومات المتعاقبة بعد الثورة أي حلّ رغم مئات المليارات التونسية التي خسرتها موازنة الحكومة، وكان يمكن أن توفر حلولا لمشكلات التنمية والبطالة في الجنوب التونسي على الأقل.

ومع إطلالة العام القادم، سيكون السيد يوسف الشاهد، أمام استحقاق ضخم، يتمثّل في توفير آلاف المليارات التونسية (الدولار الأمريكي يساوي 2.2 الدينار التونسي) لسداد أقساط الديون، وسط توقعات ببلوغ الحجم الجملي للدين العمومي عتبة 25 ألف مليون دولار.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، فرئيس الحكومة المكلف، سيواجه منذ اللحظات الأولى للتصديق على حكومته، مشكل الجهات المفقرة والمهمشة، تلك التي لم تعد تتحمّل وزر الخيارات الفاشلة، وهي بانتظار مؤشرات تبعث فيهم ـ على الأقل ـ بعض الأمل الذي افتقدوه من كل الحكومات السابقة..

وستكون معضلة البطالة على رأس الملفات التي يتعيّن على دولة الرئيس الجديد، أن يقدم بشأنها حلولا، أو على الأقل تطمينات واقعية لأولئك الذين ينتظرون فرصة أمل قبل فرصة العمل.

رئيس الحكومة الجديد، الذي أعلن منذ اللحظات الأولى لتكليفه، أنه منشغل بالترفيع في نسبة النمو التي لم تتجاوز الواحد بالمائة خلال العامين الماضيين، مطروح عليه أن يقدّم سياقات عملية لإنجاز ذلك، خصوصا أمام الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تمرّ بها البلاد، وتصاعد عدد بارونات الفساد والمافيا الجديدة، بما سوف يجعل مهمته مضاعفة: مكافحة الفساد والنهوض التنموي، وهي معادلة أقل ما يقال عنها أنها صعبة ومعقدة.

يضاف إلى ذلك، أزمة الإدارة التونسية التي تعاني من تردي حجم العمل (8 دقائق عمل يوميا فقط لكل موظف)، فيما هي تعدّ دينامو التنمية ومحرك العجلة الاقتصادية.

ولا تبدو مصاعب يوسف الشاهد تتوقف عند حدود الجوانب المالية والاقتصادية، إذ يرجح أن يواجه رئيس الحكومة الجديد، محيطا نقابيا ينتظر فعلا على الأرض، وليس مجرد وعود، وهو ما ترجمه الأمين العام لاتحاد العمال، حسين العباسي عندما قال:"نحن لم نقدّم صكّا على بياض لأي أحد كان"، بما يعني ضوءا أحمر نقابيا يعرف الشاهد خطورته وتداعياته الممكنة.

وقبل كل ذلك، سيكون رئيس الحكومة المكلف، أمام شريك سياسي (حركة النهضة)، لا يرغب في المشاركة الواسعة في الحكومة، وهو يريد أن يقشّر الفزدق بغير أيدي رجاله، الأمر الذي قد يضعه في مواجهة شريك وخصم في آن معا، مع ما قد يترتب عن ذلك، من استتباعات قد لا يبدو الشاهد قادرا على مواجهتها.

صحيح أن رئيس الجمهورية، الباجي قايد السبسي، سيكون كما الواقف خلف رئيس الحكومة الشاب، يسنده ويميط المصاعب من أمامه، وربما دخل في معارك من أجل أن يكون خياره القادم، رابحا، أو على الأقل، في دائرة غير الفاشلين، لكن ذلك لا يعني أن الرجل الجديد سيمشي على سجّاد أحمر، فهو أمام رياح عاتية، وعواصف شديدة تحيط به من كل مكان.. فهل تكفيه مساندة الرئيس، ووفاقه مع زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، أم يتسلح الرجل بشجاعة الشباب وحماستهم، فيتذوق "العسل المرّ" الذي بانتظاره؟

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"