بقلم : رشا سنبل الإثنين 15-08-2016 الساعة 12:11 ص

السعادة

رشا سنبل

السعادة هدف لمعظم الناس، هي مقصد وغاية لكثير من خطواتنا، تُنفَق الأموال الوفيرة للحصول عليها، وقد يُرْتكب باسم إدراكها بعض التجاوزات..!

المسارح، السينمات، الملاهي، الشواطئ، أماكن التريض، الأسواق، بل حتى دور العبادة، جميعهم يدّعون القدرة على وهبنا ذلك الشعور الخفي، الذي بدونه تتحول حياتنا لمسخ مشوه، منقوص ومتجمد. يُقصَد بالسعادة أنها ذلك الشعور الداخلي بالبهجة والسرور، بحيث ينعكس على الحالة النفسية والمزاجية للشخص، مما يجعله ينظر بشكل إيجابي للحياة وللأشياء من حوله.. ذلك الإحساس المُضاد للحزن والكآبة، وبعيداً كل البعد عن التشاؤم والطاقات السلبية المختلفة.

يرى أرسطو (مفكر وفيلسوف 384 ق.م ـ 322 ق.م) أنَّ السعادة ترتبط بتحقيق الخير والفضيلة، وهى عبارة عن مسألة جماعيّة وليست فرديّة، كما يقول: بعض الناس يرى أن السعادة هي في الحياة الحيوانية، فكثير من بني البشر عندما وصلوا إلى القوة والتعظيم استعبدتهم الشهوات.. إن بعض الناس يرى السعادة في الثراء، غير أنهم مخطئون، لأن الثراء لا يُطْلَب لذاته وإنما لما يحققه، وبعض الناس يرى السعادة في المجد، لكن المجد ليس رهن إرادتنا، ومع ذلك فإن هؤلاء الذين نالوا المجد هم أحياناً بؤساء. أما مفهوم السعادة عند ابن مسكويه (فيلسوف وشاعر ومؤرخ 932م — 1030م) هى جسميّة ونفسيّة في الوقت نفسه. ولا بد من تعرضنا للألم والحسرات للوصول لها؛ مثلاً حتى نشعر بلذة الطعام لابد من أن نحس بألم الجوع، وحتى نسعد بالمال لا بد من العمل بتعب حتى تحصيله، والسعادة الأخرويّة هي الأفضل والأكمل، لأنّ صاحبها يتمتع بالخير، لذلك فالأخلاق هي غاية السعادة، ولا بد من تهذيب الخُلق وتقويمه للوصول إليها. ووفق فلسفة نيتشه (فيلسوف وشاعر ألماني 1844م ـ 1900م): لا يمكن النضوج وتحقيق الذات بدون جرعات من الألم والمعاناة. بل إن المصدر الأكبر لسعادتنا يقطن قريباً جداً من أعظم آلامنا. كما أنه لا أحد يستطيع الوصول لدرجة رائعة من الإبداع والإنتاج بدون التجربة. لقد حارب نيتشه فكرة أن النجاح وتحقيق الذات يأتيان بسرعة وسلاسة؛ فقد رأى أن هذه الفكرة محبطة ومدمرة، لأنها تقود الإنسان إلى الانسحاب بشكل مبكر من التحديات، التي كان يمكنه أن يتخطاها. أما في القرآن الكريم، فيقول الله تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة" النحل آية 97، في مقابل: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى" طه آية 124، تُخبرنا آيات كثيرة عن أن الوصول للجنة؛ وهي السعادة غير المنتهية "خالدين فيها أبدا"، لا تنفصل عن العمل الصالح ورضا الله وذكره في الدنيا.. الحياة المليئة بالحركة والسعي والعمل وإقامة العدل، مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحياة الطيبة، ولن يصل المرء لسعادته الأبدية التي لا تنقطع — "وأما الذين سعدوا ففي الجنة" هود آية 108، من غير الحرص على العمل الدؤب، وتطهير القلب. السعادة ليست إحساساً استثنائياً أو طارئاً، بل شعور دائم بداخلك لا يستطيع أحد نزعه من قلبك، يصاحبه حالة من الرضى في كل أحوالك، حتى مع وجود المصاعب أو الأحزان، إنها ليست كما يظن بعض الناس حالة من الضحك، أو الفرحة العابرة.. ثم إنها لا يتم الوصول إليها بالمال أو الشهرة أو السلطة، بل تتحقق السعادة بنشر الخير والفضيلة والأخلاق والعمل. هى لا تُمنح للكسالى والفاسدين، بل هي من أكبر النعم، التي يستحقها الكادحون.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"