بقلم : عبدالهادي الخلاقي الأربعاء 24-08-2016 الساعة 12:09 ص

الولاءُ للوطنِ لَا دينَ لهُ

عبدالهادي الخلاقي

في زمنٍ كثُرت فيه خيانةُ الأوطان أذهلتني قصةً قرأتُها عن شخصٍ عراقي يهُودي الديانة اسمهُ حسقيل ساسون وكان وزيرُ المالية في عهد الملك فيصل ومؤسس النظام الاقتصادي العراقي، كان حسقيل صاحب حِس وطني من الطراز الأول وصاحب مشروع وطنيّ عظيم فكان لا يُخرجُ دينارًا واحدًا من الخزينة العراقية إلا بعد أن يتأكّد بأنه سيذهبُ إلى مكانهِ الصحيح، فكان دائما ًما يُرددُ عبارة "إنها أموالُ شعبي"، قال عنهُ ياسين الهاشمي رئيس الوزراء العراقي إبان الملكية العراقية: "إذا ما ذكر ساسون أفندي فيجيء ذكرهِ مقرونًا بالكفاح العظيم في تنظيم شُؤون دولة العراق في سنوات الانتداب العجافِ".

"إنها أموال شعبي"، دعونا نقفُ برهة عند هذهِ العبارة ونتأملها ونُقارنُها بمبدأ ونزاهة قادة العراق وساستهُ في زمننا الحاليّ ونتساءل: هل لديهم الحسّ الوطنيّ كالّذي كان لدى ساسون؟! لن أجيبَ على هذا التّساؤُل فالواقعُ لَا يحتاجُ إلى عينٍ فاحصة لِترينا الحقيقة، فالكُلّ يعلمُ كيف بيْع العراق وكيف ما زالت تُباعُ ثرواتُهُ يوما تلو آخرٍ بأبخس الأثمان من قبل الخونة العُملاء الذينَ لَا ينتمُونَ لتُرابِ العراق الطاهِر، وها هم اليوم ملعُونونَ في حياتهِم وسيظلُ التّاريخُ يلعنهُم حتّى في مماتهِم، فقد حوَّلوا العراق مِن نزيفٍ إلى نزيفٍ ومن لهبٍ إلى حريق وأنهُرِ الدّماء مُستمرَّة بالجريانِ. قتلُوا الهُوية العراقية، قتلُوا كراَمة العراقِ وقتلُوا عُرُوبتهُ وذبحُوا العراقيّينَ من الوريدِ إلى الوريدِ ولا يزالونَ، وهاهم اليومَ يسعونَ بكُل مَا أوتو من قُوّة لتغييِر هُويَّة الأرض بعدَ أن جرّدُوها من انتِمائهَا العربيّ، لأنهُم أبناءُ فكِر عقِيم لم يُنجِب غيرَ الدَّم والطّائفيّة والدَّمار والانقِسام والتّآمُر.

طارق عزيز مسيحيّ الدّيانة، كان نَائبُ رئيس الوُزراء ووزيرِ الخارجيَّة في عَهدِ صدَّام حُسين، كانَ حَلقة الوصلِ بينِ صدّام والعَالم استطاعَ أن يَحفظ سيَادةَ العراق ويُدافعُ عن استقلالهِ ضدَّ المُؤامراتِ التِي كَانت تُحاكُ ضدَّهُ وظَلَّ ابنُ العراق البارَّ الذِي لم يُفرّط في ذرَّةِ رَمل واحدةٍ من التّربة العراقيَّة وظلَّ يُدافعُ عن وطنهِ ولم يَتراجع عن مَبادئهِ حتَّى آخر يومٍ في حياتهِ.

في لُبنان يتراوحُ عددُ المسيحيّينَ مابين 35 إِلى 45% مِن إجماليِ عددُ السُّكانِ، كَما نَعلمُ بِأن الفاتِيكانَ هُو المرجع العالميّ للمسِيحيّينَ مَع ذلكَ لم نَر أو نسمع عن تخلّي المسِيحيَينَ سواءً في لُبنانَ أو فِلسطينَ أو غيرِها من البُلدانِ العربيَّة عن عُرُوبتهِم ولم يَحدُث أن تَنازلوا عن وطنيَّتهِم ولم يحدُث قط أن أضمرُوا لمُجردِ التّفكيرِ في خيَانةِ أوطانِهم أو إِلحاقِ الضَّررِ بهَا.

فِي البَحرينِ كَذلكَ تُوجدُ عَائِلة يهُوديَّة بَحرينيَّة، هذهِ العَائلة من أشرفَ وأنبلَ العوَائِل البَحرينيَّة وأكثرِها وطنيَّة وانتِماءً للأرضِ وَولاءً لقيادتِهَا بَل وتَضطلعُ بِدورٍ وطنِيّ كبيرٍ فأحدُ أفرادِها يَشغَل مَنصبِ سَفيرِ البَحرينِ لدىَ الولاياتِ المُتَّحدة الأمريكيَّة وهَذا النمُوذجُ يُبَينُ مَدى الإخلاصِ وَالولاءِ للوَطنِ بَعيدًا عَن الِانتمَاءِ الدّينِيِّ.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"