بقلم : صالح عطية الجمعة 26-08-2016 الساعة 12:18 ص

"كوتشينغ" الرئيس.. والمشهد الجديد

صالح عطية

عندما اقترح رئيس الجمهورية، تشكيل ما أسماه بـ"حكومة وحدة وطنية"، دخلت الطبقة السياسية في مناكفات تخص تفاصيل الحكومة ومسألة المحاصصة الحزبية، ومن يكون رئيس الحكومة، هل هو شخصية مستقلة أم تنتمي للحزب الأغلبي؟! .. واختزل النقاش في زاوية ضيقة، لا تتعدى المشاورات حول هوية الحكومة وأجندتها وأولوياتها..

فالرجل أراد بمقترح "حكومة وحدة وطنية"، أن يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد..

وضع مخرجات الانتخابات الماضية (أكتوبر 2014)، موضع مراجعة، فليست الانتخابات لوحدها محددا للمشهد السياسي والحزبي، بل تلعب معطيات الواقع وصراعاته والتوازنات المطلوبة، دورا في ضبط مكوناته وبوصلته..

وهو من هذه الزاوية، قد أحال الائتلاف الحاكم (رباعي النداء والنهضة وآفاق تونس والوطني الحر)، على "المعاش المؤقت"، منهيا بذلك، هيمنة حزب النهضة على منظومة الحكم، وعلى سياقات صنع القرار السياسي في البلاد، ومن ثمّ، إعادتها إلى حجمها الانتخابي الأصلي، كـ"وصيف" لـ"النداء"..

لا تتوقف "العصافير" التي أسقطها الرئيس بحجر واحد عند هذا الحدّ، فقد ضرب الرجل عرض الحائط بما يتردد عن كونه يعدّ العدّة لتوريث نجله في الحكم.. ذلك أن تعيين يوسف الشاهد رئيسا للحكومة، يعني من الناحية العملية والدستورية، أن المكلّف الجديد، سيجد نفسه على رأس السلطة التنفيذية، في صورة أيّ شغور في مستوى رئاسة الجمهورية لأيّ سبب من الأسباب، ويكون الباجي قايد السبسي بهكذا تعيين، قد أنهى - مرحليا على الأقل - المخاوف بشأن مستقبل الرئاسة، ولم يترك أمر "الرئيس القادم" للترتيبات الحزبية، وربما للتدخلات الإقليمية والدولية، أو حتى لبعض الطموحات الفردية المتضخمة، على غرار السيد محسن مرزوق تحديدا..

ولعل الرسالة الأبلغ دلالة التي بعث بها الباجي من خلال الرهان على شاب أربعيني على رأس الحكومة، هي إعلان نهاية الطبقة السياسية الهرمة، والتأكيد على أن الساحة السياسية تضجّ بالكفاءات الشابّة، القادرة على أن تكون على رأس الحكم، وليست في الصفّ الخلفي للأحزاب فحسب..

لقد أعاد رئيس الجمهورية للرئاسة دورها التقليدي في صنع القرار السياسي، من دون أن يقترب من الدستور، أو يغيّر من طبيعة النظام السياسي (البرلماني المعدّل).. وبذلك يكون الرجل، قد غيّر مواقع اللاعبين وأدوارهم ومستقبلهم السياسي، من دون أن يغيّر قواعد اللعبة.. في مقابل عملية خلط الأوراق هذه، تبدو الطبقة السياسية في مأزق حقيقي..

فحركة النهضة، وجدت نفسها في حالة دفاع مستميت عن موقعها الثاني، وهي تدرك أن رئاسة الحكومة القادمة، التي ستدار من القصر الرئاسي، لن توفر لها هامش المناورة الذي كانت تتمتع به خلال رئاسة الحبيب الصيد للحكومة.

والشق الواسع من المعارضة، الذي تقوده الجبهة الشعبية (يسار راديكالي)، لم تعد تلوي إلا على شيء من الضجيج الإعلامي، وبعض البيانات والمواقف السياسية الاحتجاجية المعروفة، رغم سعة الأفق الذي كان يفترض أن تتحرك فيه فكريا وسياسيا..

أما الأحزاب "الديمقراطية الاجتماعية"، كما توصف، والتي كان يتوقع أن تكون "الوريث الشرعي" للمرحلة الراهنة، فهي تعاني من تشتت وضيق أفق، لا يسمح لها بلعب الدور المفترض أن تضطلع به..

صحيح أن المشهد السياسي لم يتشكّل نهائيا، لكن من المؤكد أيضا، أن صورته قد تبلورت: حزب أغلبي يقود البلاد، بشريك قابل بالموقع الثاني، ومعارضة ضعيفة لا تقوى حتى على إسقاط قوانين أو خيارات، فما بالك بتغيير معادلات؟!

أما الذين لا يريدون أن ينظروا للمشهد في حقيقته، "فذنبهم على جنبهم"، كما يقال..

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"