بقلم : صالح عطية الثلاثاء 30-08-2016 الساعة 01:51 ص

حكومة كل ثمانية أشهر.. ما السبب؟!

صالح عطية

بعد التصديق البرلماني على حكومة السيد يوسف الشاهد، تكون تونس قد دخلت نادي الدول التي تسقط فيها الحكومات كما تتساقط أوراق الأشجار في فصل الخريف.. فهذه الحكومة السابعة التي تتشكل في غضون خمس سنوات فقط، أي بمعدّل حكومة كلّ ثمانية أشهر ونصف، وهي مدة زمنية لم تعرفها حتى بعض الدول الإفريقية التي تتحكم فيها الانقلابات العشوائية.

يرجع بعض الملاحظين والسياسيين هذا التعاقب السريع للحكومات، إلى عوامل كثيرة بينها فشل الترويكا التي حكمت إبان ثورة 14 يناير 2011، بقيادة حركة النهضة، في إدارة المرحلة، وأن كل ما يجري الآن من تعطّل في مسارات التنمية والاستقرار، إنما هو من استتباعات تلك المرحلة، ما يبرر اللجوء إلى تغيير الحكومات، بحثا عن نجاعة ما.

ويرى محللون آخرون، أن الحكومات المتعاقبة، لم تتوفر لها الإمكانات السياسية والأمنية اللازمة، التي تخوّل لها الاستجابة لاستحقاقات الثورة ومطالب الفقراء والمعطّلين عن العمل، من أصحاب الشهادات العليا، وأولئك القابعون في المحافظات الداخلية، فيما بات يطلق عليها بالجهات المهمشة، ما جعل هذه الحكومات، تــتـيه بين ركام من الملفات والإرث السياسي والتنموي المعقّد، الذي ينخر الدولة وأجهزتها ويكبّل الحاكمين الجدد، ويمنعهم من التقدم قيد أنملة في هكذا وضع شديد الحساسية.

بالتأكيد، هذا جزء من التشخيص، ولا يمكن فهم السنوات الخمس الأخيرة من دون وضع هذه الملاحظات موضع العين، لكن ما خفي، أو ما يحاول البعض إخفاءه، أعظم وأشدّ ضراوة.

فالحكومات الست التي تداولت على السلطة، وبصرف النظر عن لونها السياسي أو انتمائها الحزبي، لم تكن لديها الإرادة السياسية الكافية، التي تسمح لها بفتح الملفات القديمة، فضلا عن معالجتها.

والحقيقة، أن تركة الماضي السياسي برمته، التي لم تجد هذه الحكومات، الجرأة اللازمة لطرحها بكامل الوضوح و "على الطاولة"، كما يقال، هي التي كانت من الأسباب الرئيسية لتعفّن الوضع وبلوغه مستوى يدفع السياسيين إلى تغيير الحكومات طمعا في أداء أفضل.

ثمة عوامل أخرى لا تقل أهمية، يمكن أن تفسّر هذا الفشل في إدارة المرحلة، بينها، ترذيل النخب الجديدة الحاكمة، وتقديمها على أنها تمثل العجز بذاته، وحالة الاستعداء المرضية بين النخب والطبقة السياسية، إلى الحدّ الذي جعل استهداف الدولة والتنكيل بمؤسساتها، من الخيارات الأساسية للإطاحة بالخصوم، بل من الأدوات التي تستخدم في الصراع السياسي بين الحاكمين والمعارضين، فلم يعد انهيار المعبد على من فيه، خطا أحمر، وبات الحكم أهمّ من سياقاته ومكوناته والنتائج المرجوة منه.

لن نتطرق إلى استشراء الفساد، وتعاظم عدد المفسدين بعد الثورة، ولا إلى استعجال الغنيمة من قبل بعض القوى السياسية واللوبيات المالية والاقتصادية، فهذه العوامل أضحت من تحصيل حاصل، وواقعا مرّا، والجميع يتجرعه مضطرّا غير مخيّر، لكن ما تنبغي الإشارة إليه في هذا السياق، استمرار الحكومات الست الماضية، في ذات النهج القديم الذي كان يسير عليه النظام السابق، فلم تتغير الرؤى والآفاق، وغابت السياسات الإستراتيجية، وانشغل الجميع بالذاتي على حساب الموضوعي، أي بمصالح الأحزاب قبل مصالح المجتمع، يضاف إلى ذلك، السياقات الدولية والإقليمية التي عملت على إجهاض الثورات، وبخاصة الثورة التونسية، منطلق الغضب العربي ضدّ قلاع الاستبداد والفساد، وهي سياقات وجدت مدافعين عنها في عدّة أقطار، ما ساهم في تأجيل عملية التأسيس الجديدة التي قامت الثورات، وذهب شهداء، من أجلها.

ليس المشكل في تعاقب الحكومات، فهذا ما حصل في عدّة دول شهدت ثورات وتحولات سياسية راديكالية، إنما المثير للانتباه هنا، هو أن هذه الحكومات لم يكن لديها الفهم اللازم، والوعي المطلوب، والإستراتيجية الواضحة التي ستعالج بواسطتها الملفات المطروحة، لذلك توقفت في نفس الخطّ، من دون أي تقدم، أو حتى مؤشر لتغيرات ممكنة في طريقة المعالجة، لأن الحكم، طريقة وأسلوب ومنهجية قبل أن يكون إجابات على حلول.

هذا ما ينتظره الناس والنخب من رئيس الحكومة الجديد.. فهل تهتدي الحكومة الجديدة السابعة، إلى نمط جديد في إدارة المرحلة المقبلة ؟؟

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"