بقلم : طارق الزمر السبت 10-09-2016 الساعة 02:30 ص

بين ثقافتنا وثقافتهم

طارق الزمر

شهد العالم على طول التاريخ الإنساني حضارات شتى وثقافات متعددة، فلم ير صفحات أبيض من الصفحات التي سطرها المسلمون في علاقتهم بغيرهم:

فالإغريق.. لم يعرفوا أي حقوق لغير الرعايا اليونانيين، الذين يشاركونهم في الدين واللغة والعادات بل وكانوا يعتبرون كل من عداهم برابرة، لا تطبق عليهم أي قواعد قانونية، وكان الفكر السائد آنذاك "أن الحرب هي الحالة الطبيعية في العلاقة بين المجموعات السياسية المختلفة"؛ وعلى هذا وجدنا القادة اليونانيين يتصرفون في البرابرة بما يشاءون!!

أما الرومان.. فقد قسموا الناس إلى أصناف ثلاثة: الرومان، والمعاهدون، وسائر العالمين، وكانوا يطلقون على الأجنبي "العدو المبين".

أما الهنود.. فقد قسموا الناس إلى طبقات أربع: "البراهمة" وهم أهل الدين، و"التشتريه " وهم أهل السيف، و"الديشة " وهم أهل الحرف والتجار، و"الشودرة " وهم الخدم.. وعلى هذا يصبح الشودرة هم طبقة الأنجاس الذين لا تحميهم أي قوانين.

أما اليهود.. فإنهم لا يتقيدون بأية قيود قانونية أو أخلاقية تجاه غيرهم، والذين أسموهم "بالأميين"حيث تتغلب الاستباحة ويتم إهدار الحقوق، فضلا عن إعمال قاعدة أنهم شعب الله المختار، وأن الجميع خدم لهم!! وبرغم أن التوراة قد حرمت الربا عليهم، إلا أنهم حرفوا أحكامها بما يجعل التحريم متعلقا فقط بالتعامل مع الإسرائيليين، وأما من عداهم. فلا حرمة لأموالهم ولا عصمة، وعلى هذا نجد في التلمود "اقتل الصالح من غير الإسرائيليين" وفي ضوء ذلك نجد أجد حكمائهم المعاصرين يقول "إن الحرب ضرورة حيوية وما يجب علينا - فقط - هو التفكير في كيفية القيام بها ولذلك أقول: أفضل غير اليهودي اقتلوه".. كما يعتقد اليهود أنهم وحدهم خلقوا من نطفة مقدسة، خلافا لنطف بقية البشرية!!

أما الصليبيون. فقد رأوا كل الآخرين برابرة لا يخضعون لأية قواعد قانونية أو أخلاقية. بل كان رجال الدين يحرضون على تفعيل هذا التصور المزري، فيقول البابا تولا الرابع: "إن الغدر إثم ولكن الوفاء مع المسلمين أكبر إثما".. بل ولما ظهر المذهب البروتستانتي في أوروبا في القرن السادس عشر قاومته الكنيسة الكاثوليكية، وشهدت أوروبا مذابح مروعة على إثر ذلك ولعل أهمها مذبحة باريس عام ١٥٧٢م والتي قام فيها الكاثوليك باستضافة البروتستانت للتقريب بين وجهات النظر، فلما ناموا ليلا قتلوهم جميعا وجرت دماؤهم بشوارع باريس وقام البابا "شارل التاسع" بتهنئة ملك فرنسا على هذه المذبحة!!

فإذا انتقلنا من هذه الصور البشعة والمشاهد المقززة لنلقي نظرة ولو خاطفة على تعامل المسلمين مع غيرهم، لرأينا الفرق الشاسع بين ثقافتنا وثقافتهم.. بين فقهنا وفقههم:

فهذا نبي الله الأكرم - صلى الله عليه وسلم - يفي بعهده مع المشركين الذين آذوه وحاربوه وأخرجوه من داره ووطنه، برغم أن بعضهم قد غدر بالعهد.. وبرغم حاجته الماسة للعدد في أول الدعوة:

يقول أبورافع: بعثتني قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رأيته وقع في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله لا أرجع إليهم (يريد أن يلحق بالمسلمين) فقال له النبي - صلي الله علية وسلم - إني لا أخيس بالعهد (أي لا أنقضه أو أخونه) ولا أحبس البرد (أي الرسل) ولكن ارجع إليهم فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع (أي ارجع إلينا حين لا تكون رسولا لهم).

فلا ينبغي أن يغيب عن ذوي البصائر: أن الذي منع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من استخدام هذا الموقف السياسي الكبير، في إضعاف موقف المشركين ولو معنويا، هو الوفاء بالوعد، والالتزام بالعهد ولو مع خصوم العقيدة وأهل الحرب.

ولما كان سهيل بن عمرو يفاوض النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية، ولم يكن قد وقع الاتفاق بعد. جاء أبو جندل وقد فر من قريش، فلما رآه سهيل قام وأخذ تلابيبه وقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صدقت. فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني. فلم يغن عنه ذلك شيئا، ورده رسول الله وفقا للشروط التي اتفق عليها، وإن لم يكن قد وقع الاتفاق بعد.

فبرغم أن موقف "أبوجندل" وقولته مما يهز المشاعر ويحرض الشباب إلا أنه لم يخرج الرسول، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين عن التزامهم بكلمتهم مع عدوهم، فقامت قيادة النبي وحكمته على ضبط المشاعر والعواطف حتى لا تخل بالتزام المسلمين مع أشد أعدائهم وألد خصومهم آنذاك. هذا هو المنهج الذي ربى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، فلم يكن أحد من المسلمين المستضعفين والمحاربين في عقيدتهم يستسيغ أن يقيد نفسه ويلزمها لصالح المشركين المناقضين لكل قواعد الدين وأساسيات العقيدة.

ولم يكن ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا تشريعا لازما للأمة من بعده. فلم تكن تتحرك خلجات نفسه - صلى الله عليه وسلم - إلا لله، ولم يكن يصدر قرارا إلا بأمر الله {إن هو إلا وحي يوحى}؛ لهذا ظل الإسلام وسيظل أكرم وأشرف دين علّم أتباعه: كيف يتعاملون مع غيرهم من خلال أعظم قوانين وقواعد عرفتها البشرية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"