بقلم : صالح عطية الأربعاء 14-09-2016 الساعة 03:44 ص

أعواد الكبريت والبنزين الجاهز

صالح عطية

تبدو العلاقة بين اتحاد العمال وحكومة يوسف الشاهد، مرشحة لأيام عصيبة لا تستبعد المواجهة بين الطرفين على خلفية ملفات مستعصية ينظر إليها الطرفان بشكل متناقض تماما..

سياقات التوتر بين رئيس الحكومة واتحاد الشغل، انطلقت منذ لحظات التكليف الأولى، عندما صرّح الأمين العام للاتحاد، بأن المنظمة الشغيلة، لم تعط "صكا على بياض لأحد"، في إشارة إلى أن توقيع اتحاد العمال على ما يسمى بـ"وثيقة قرطاج" التي وقع عليها عدد من الأحزاب والمنظمات الاجتماعية، لا يعني ضوء أخضر لرئيس الحكومة الجديد، فيما يتعلق بالملفات الاجتماعية خاصة..

أجندة حكومية "شجاعة"

لكنّ خطاب منح الثقة بالبرلمان، كان النقطة التي غيّرت مزاج الاتحاد، وأشعرت النقابيين أنهم مقبلون على أيام متوترة مع "حكومة الوحدة الوطنية"، كما تجري تسميتها..

إذ لم يستبعد رئيس الحكومة الجديد إمكانية لجوء الدولة إلى توخي سياسة التقشف، من خلال رفع قيمة الضرائب على المواطنين والشركات، وتسريح آلاف الموظفين من القطاع العام، والتقليص في مصاريف الدولة في الصحة والضمان الاجتماعي، والربط بين حل أزمة الفسفاط، واستئناف الإنتاج وتطويق حركة الاحتجاجات والاعتصامات، مما يعني عدم استبعاد اللجوء للحلول الأمنية في هذا الملف الذي كبّد الدولة خسائر بمئات المليارات من الدولار خلال السنوات الخمس الماضية، ولا أدلّ على ذلك من طُرح هذا الملف على أنظار مجلس الأمن القومي في الآونة الأخيرة، مما يعني خروجه من منطقة التداول السياسي إلى مجال الحسم الأمني..

أما الملف الأكثر حساسية بالنسبة لاتحاد العمال، والذي شكل لسنوات طويلة أحد أبرز القضايا التي استمات الاتحاد ضدّ تنفيذها حتى قبل الثورة، فهو خيار التفويت وخصخصة المؤسسات العمومية، الذي عبّر عنه رئيس الحكومة بوضوح لا غبار عليه..

لا شكّ أن رئيس الحكومة الجديد، ينطلق في هذا السياق، من التزامات الدولة التونسية مع صندوق النقد الدولي، بموجب الشروط التي اقترحتها المؤسسة الدولية لكي تمنح تونس قرضها الأخير..

النقابيون.. غاضبون

لم يتأخر اتحاد العمال عن الردّ وبشكل مؤسساتي على توجهات رئيس الحكومة الجديد، إذ اجتمع مكتبه التنفيذي بسرعة، وأصدر بيانا هيمنت عليه نبرة التهديد والوعيد، حيث أكد أنه "لن يقبل بأن يتحمل الأجراء وعامة الشعب تبعات وأعباء إخفاقات السياسات المتبعة لعقود والتي كان الشعب دوما ضحيتها والخاسر الأكبر من انتهاجها"، وعبّر عن مخاوفه من إمكانية تراجع الحكومة الجديدة عن الالتزامات الاجتماعية الموقع عليها بين الطرفين في أعقاب المفاوضات الاجتماعية قبل عدة أسابيع، وأوعز إلى إحدى النقابات بالتحرك للضغط على الحكومة..

في ذات السياق، عبّر الاتحاد عن عدم استساغته للحلول الأمنية التي أعلن عنها رئيس الحكومة فيما يتعلق بالحوض المنجمي، وشدد على أن الاحتجاجات ليست هي السبب، بل ما وصفها بـ"أطراف أخرى تقف وراءها لوبيات الفساد"، مستهجنا اللجوء إلى الخيار الأمني لحلّ مشكلات اجتماعية، يفترض الجلوس بشأنها على طاولة المفاوضات..

كان من المنتظر ـ في نظر المراقبين ـ أن تصل العلاقة بين الاتحاد والحكومة إلى مستوى المأزق.. فرئيس الجمهورية، الباجي قايد السبسي، أكثر المدركين لضرورة تحجيم دور الاتحاد وتقليم أظافره، والنقابيون يرغبون في استمرار دورهم الاحتجاجي المشحون بأجندة سياسية راديكالية، بحكم موازين القوى صلبه التي تميل إلى اليسار الاحتجاجي الرافض لخيارات الحكومة، والطامع في السلطة، من خلال استخدام المجال النقابي في الصراع السياسي، وهو الدور الذي برع فيه الاتحاد خلال السنوات الماضية.

بالتأكيد، الطريق تبدو معبدة باتجاه أزمة اجتماعية وسياسية خلال الفترة المقبلة، المسألة مسألة توقيت لا غير، فأعواد الكبريت جاهزة لأي حريق، لا قدر الله..

فهل يسمح "الشيخان" بهكذا سيناريو سينسف كل البناء الذي شيداه معا خلال السنوات الثلاث المنقضية؟

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"