بقلم : صالح عطية الثلاثاء 27-09-2016 الساعة 12:42 ص

المرزوقي... وهشاشة الطبقة السياسية

صالح عطية

خمد نسبيا الجدل حول منع قناة "التاسعة" (خاصة)، من بثّ حوار كانت أجرته مع الرئيس التونسي السابق، المنصف المرزوقي، بسبب ما قيل إنها "ضغوطات مارستها كلّ من رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية على القناة للحيلولة دون بثّه"..

كانت إدارة القناة جريئة وشجاعة، عندما أعلنت في بيان رسمي، خضوعها لهذه الضغوط، ورفعت نقابة الصحفيين التونسيين صوتها عاليا، معلنة رفضها القطعي العودة إلى أسلوب المنع وتلجيم الصحفيين والمنابر الإعلامية، وشددت على خطورة ما وصفته بـ"تركيع الإعلام"، في بلد لم يجن من ثورته التي دشنها ذات 14 يناير 2011، سوى حرية التعبير والإعلام.. فيما ندد الرئيس السابق، بالقرار، وطالب بمحاسبة من مارسوا عملية الضغط على القناة، قبل أن يخرج بعض المسؤولين في الرئاستين ليفنّدا ما وصفاه بـ"مزاعم" الرئيس السابق..

صحيح أن القناة، تحمّلت مسؤوليتها كاملة، وبثّت الحوار للدكتور المنصف المرزوقي، وأنهت بذلك جانبا من المناقشات حول الحريات الإعلامية في البلاد، لكنّ ذلك كان بمثابة القشرة الفوقية للحدث، ذلك أن الجدل السياسي، لم يتوقف بين النخب والطبقة السياسية والرأي العام الوطني إلى الآن، والسؤال الذي بات يقضّ مضجع الجميع يتعلق بدوافع عملية المنع، ومن يقف خلفها..

ذلك أن توقيت منع الحوار، تزامن مع احتجاجات اجتماعية في مدينة جندوبة (شمال البلاد)، ذهب "ضحيتها" محافظ الجهة ورئيس البلدية وعدد من المسؤولين، الذين جعل منهم رئيس الحكومة "كبش فداء" لما حصل، فعزلهم لامتصاص غضب أهالي المحافظة..

وجاءت عملية منع الحوار كذلك، في وقت كان الحديث يجري في الأوساط السياسية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، حول الوضع الصحي لرئيس الجمهورية، واستتباعات ذلك فيما يخصّ موضوع الخلافة، والمرشحين لهذا المنصب.. وزادت أزمة نداء تونس (الحزب الأغلبي في الحكم)، "الطين بلّة" كما يقال، حيث يعاني هذا الحزب منذ نحو العام، خلافات متراكمة، أدت إلى تشتته وتمزق كيانه، وتفرق كوادره ورموزه، وبالتالي كان السؤال المركزي في أوساط الرأي العام هو: هل سيكون قادرا على ترشيح أحد الشخصيات من داخله؟

ويبدو أن بروز الرئيس السابق في إحدى عمليات سبر الآراء، كشخصية ثانية بعد السيد الباجي قايد السبسي، بما أعاده للمنافسة الجدية كمرشح لرئاسة البلاد، شكل مفاجأة لحزب نداء تونس، الذي يعيش منذ فترة، تناقضات داخلية بشأن موضوع الخلافة، وهو لا يملك إلى حدّ الآن، مرشحا "متفقا عليه"، بل ـ على العكس تماما ـ بات هذا الموضوع، محلّ شره ونهم كبيرين من قبل عديد الأسماء والشخصيات، ممن تحرص على استغلال الفراغ الموجود في الحزب وفي المشهد السياسي، لكي تكبر أحلامها في قيادة دفّة الحكم بعد نهاية حكم الرئيس الحالي..

ولا شكّ أنه أمام هذا الوضع غير المستقرّ للحزب الأغلبي في الحكم، وبروز الصراع صلبه، بين "السواحلية" (سكان الشريط الساحلي)، و"البلدية" (أي أصيلي العاصمة)، على خلفية تعيين يوسف الشاهد، رئيسا للحكومة (وهو الذي ينتمي إلى "البلدية")، تعززت المخاوف من عودة المرزوقي للساحة السياسية بقوة، مستغلا التردد وحالة الفراغ، وتخبط الحكومة في عديد الملفات والخيارات، وتنامي الاحتجاجات في أكثر من جهة، لذلك تقرر عدم بثّ حوار الرئيس السابق، لقطع الطريق أمام أي إمكانية لاستئناف دوره السياسي التعبوي، أمام غياب منافسين جدّيين، على الأقل، إلى حد الآن..

من المؤكد أن حوار المرزوقي، لم يسقط الحكومة، ولم يربك الاستقرار في البلاد، لكنه كشف عن هشاشة قسم من صناع القرار السياسي، والماسكين بالحكم في هذه المرحلة.. فقرار عدم بثّ الحوار، وتكذيب مسؤولين لموضوع الضغوط الحكومية، يعكس وجود صراعات صلب الحكم، وتعدد مصادر القرار السياسي، وهذا هو الأخطر في وضع انتقالي تونسي، تتهدده أوضاع إقليمية مجاورة شديدة الحساسية، سواء على الجهة الجنوبية (ليبيا)، أو الجهة الشمالية (الجزائر)..

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"