بقلم : صالح عطية الخميس 29-09-2016 الساعة 02:26 ص

تونس - الدوحة - نيويورك.. ومنتدى تونس للاستثمار

صالح عطية

تبدو تونس اليوم أشبه بخلية نحل، وهي تستعدّ لندوة دولية من المقرر أن تلتئم في نوفمبر القادم بالعاصمة، تحت عنوان جذّاب، هو "منتدى تونس الدولي للاستثمار"، الذي ستحضره كبار الشخصيات الإقليمية والدولية، وستشارك فيه، كبرى المؤسسات المالية والاقتصادية في العالم العربي وعلى المستوى الدولي، إلى جانب رجال أعمال من أصقاع عديدة في العالم.

في الحقيقة، عانت تونس منذ ثورة 14 يناير 2011، من ندرة مستمرة في الاستثمارات الأجنبية، سواء الأوروبية منها، أو العربية، ورغم أن هاجس الحكومات المتعاقبة خلال السنوات التي تلت الثورة، كان دائما، جلب الاستثمار، وتدوير عجلة اقتصاد نخره الفساد وعششت فيه اللوبيات العائلية والمافيات المقنّعة تحت عناوين متعددة، فإنّ النتائج كانت ضعيفة، إن لم نقل هزيلة، هزال الجهود التي كان فيها السياسي والحزبي والتجاذبات الإيديولوجية، الأكثر هيمنة على الصورة العامة التي كان المستثمر والجهات المانحة، تلتقطها، بين الفينة والأخرى، عن بيئة الاستثمار في تونس.. زادها الوضع الأمني الهشّ، وتضخم "ماكينة" الإرهاب وتهديدها المستمرّ للمكاسب ومخرجات الثورة، كل ذلك أسهم في استمرار التنمية المعطّلة بطبيعتها، واتسعت دائرة الجهات المفقرة، وتآكلت المالية العمومية، بشكل جعل الدولة التونسية لأول مرة في تاريخها، تتداين لتسديد التزاماتها مع الموظفين العموميين، إلى الحدّ الذي جعل عديد الخبراء يتحدثون عن 2017، كعام صعب على الدولة والمجتمع..

بيئة استثمارية مغايرة

لم يتردد وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، الفاضل عبد الكافي، في التماهي مع هذا التشخيص، فقد وصف العام القادم بـ"عام الطوارئ الاقتصادية"، يقينا منه أن البلاد لابدّ أن تأخذ منعرجا جديدا في مجال الاستثمار والتنمية، مستفيدة من حالة الاستقرار التي بدأت تتركز في البلاد منذ أشهر عديدة، ووجود حكومة وحدة وطنية مسندة سياسيا من أوسع الأطياف الحزبية والسياسية الفاعلة والمؤثرة في البلاد، بالإضافة إلى رغبة المحيط الإقليمي والدولي، في مساعدة تونس على الخروج من عنق الزجاجة الذي تردّت فيه منذ نحو ثلاث سنوات على الأقلّ، باعتبارها الدولة التي تمثّل "أيقونة" الربيع العربي، وهي الوحيدة تقريبا، التي صمدت بأشكال ومعطيات وسياقات مختلفة، في وجه كلّ "العواصف" و"المطبّات" التي اعترضتها، من الداخل قبل الخارج.

تحركت الحكومة الجديدة حينئذ، في اتجاهات متعددة، وبنسق عال وسريع، لكن بثبات وعزيمة من حديد، في محيط إقليمي ودولي، حذر، تغلب عليه الحسابات المعقّدة.

بدّلت قانون الاستثمار وغيّرت مفاصله رأسا على عقب، هيّأت المناخات المشجّعة على تحفيز المستثمرين ورجال الأعمال، وضعت أيديها في أيادي الفاعلين في مجال الاستثمار، على غرار القيادة القطرية، التي سكنها منذ بداية الثورة، هاجس الوقوف إلى جانب تونس في همومها التنموية، وقد تابع الرأي العام الوطني، اللقاءات التونسية القطرية المتواترة بين تونس والدوحة والولايات المتحدة الأمريكية، كدلالة واضحة على الأفق الجديد للعلاقات بين البلدين.

بالتوازي مع ذلك، يجري حاليا تشريك كفاءات عالية المستوى، من داخل البلاد، ومن مؤسسات صديقة وشقيقة، لكي يكون "منتدى تونس الدولي للاستثمار"، رقما مهما في معادلة تونسية جديدة، قوامها، الاستثمار قاطرة التنمية، والتنمية ضمان الانتقال الديمقراطي، في بلد يعدّ الفضاء الأكثر مراهنة عليه من قبل عديد القوى الإقليمية والدولية، باعتباره الأمل الوحيد في استمرار الربيع العربي، ومن ثمّ المؤشر لوضع جديد في عالم عربي لم يعد يتحمّل الاستمرار في منظومات سياسية متكلّسة من منتجات "سايكس بيكو" وملحقاتها المعروفة.

الصورة والنمط الجديد

لقد شرعت تونس في تسويق هذه الصورة الجديدة، من خلال مشاركة رئيس الدولة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وترسخت في أذهان المراقبين مقولة وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، عندما توجّه إلى المشاركين في جلسة الحوار التي جمعته مع الرئيس الباجي قايد السبسي قائلا: "أراكم في منتدى تونس للاستثمار في نوفمبر القادم"، ليكون ذلك عملا تسويقيا، لا نتصور الإدارة الأمريكية قد قامت به مجانا، بقدر ما يدلل على رغبة أمريكية واضحة في أن تقلع تونس اقتصاديا، مثلما أقلعت سياسيا، وكانت الأسبق عربيا في مجالات عديدة، بينها كتابة أول دستور عربي، وأول بلد يشهد تأسيس منظمة حقوقية للدفاع عن حقوق الإنسان، وأول بلد عربي وإفريقي، يعلي من شأن المرأة ومكانتها في عالم لم يبدأ احترام فعل التأنيث إلا مؤخرا.

منتدى تونس للاستثمار، رهان وتحدّ وربما مؤشر لمرحلة جديدة، يبدو أن جميع الظروف والمناخات مهيّأة لكي تدخلها تونس من بوابة البلد الصاعد، الذي لا ينتظر مساعدات ومنح، بقدر ما يطالب بثقة وبعض الوقت لكي يغيّر الصورة النمطية التي يريد البعض، وهم قليلون، تسويقها عن تونس الجديدة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"