بقلم : صالح عطية الجمعة 07-10-2016 الساعة 03:01 ص

رابطة حقوق الإنسان في تونس: المؤتمر والمستقبل ؟!

صالح عطية

لم يشهد مؤتمر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ذلك الاهتمام الذي يليق بمنظمة حقوقية في حجم الرابطة ومكاسبها ونضالاتها، خلال ما يسميه التونسيون بـ "سنوات الجمر"، زمن حكم بن علي، حيث كانت هذه المنظمة -على قلة مناضليها الفاعلين- الصوت المرتفع إزاء آلة القمع النظامية، وأدواتها المناهضة للحريات بكافة أشكالها، ولكنّها -وهذا الأهم- الحاضنة لعذابات النخب والمناضلين السياسيين بمختلف أطيافهم السياسية والفكرية والإيديولوجية..

وبقطع النظر عن القيادة الجديدة التي أفرزها المؤتمر السابع للرابطة، الذي التأم نهاية الأسبوع المنقضي، فإن مخرجات المؤتمر، لم تكن في الحجم الذي توقعه المراقبون، بل الرابطيون أنفسهم.. فقد كانت النتائج التنظيمية وما تعلق بتوجهات المنظمة في المستقبل، دون المستوى المأمول..

ولدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في الهزيع الأخير من القرن المنقضي، عندما بدأ نظام بورقيبة يتراجع، وترتفع الأصوات من داخله منادية بالإصلاح السياسي، وبالتعددية السياسية، كجزء من الشروط الأساسية للحفاظ على الدولة التونسية المعاصرة، وعلى استقرار الحكم.. وكان من بين مؤسسي الرابطة، عدد من الرجال الذين خرجوا عن جلباب الحكم، وقدّوا لأنفسهم مسارا جديدا، عنوانه الأبرز، دمقرطة الحياة السياسية، و"لبرلة" (من الليبرالية) الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وترسيخ الحريات.. وجاء تأسيس الرابطة في نهاية سبعينيات القرن الماضي، كأولى مهمات خلخلة البنى السياسية والفكرية والهيكلية لنظام الحكم.. وارتبط ظهور الرابطة، بالشرخ الذي حصل صلب الحزب الحاكم (الحزب الاشتراكي الدستوري)، وخروج مجموعة "الديمقراطيين" التي نذرت مواقعها وتاريخها لصالح التأسيس لمعطيات سياسية جديدة في البلاد.. ورغم رفض بورقيبة وحزبه لذلك، إلا أن هذه المجموعة نجحت في كسر جدار الخوف الذي هيمن على الدولة والمجتمع طيلة ثلاثة عقود ونيّف من تاريخ استقلال الدولة الوطنية..

شكلت الرابطة منذ تلك الفترة، القلعة التي استعصت على بورقيبة، وأربكت حكم بن علي لاحقا، وكانت الشوكة الدائمة في حلقه، فلم يغصّ نظامه مطلقا، إلا بالرابطة ومواقفها ونضالاتها، وبخاصة شبكة علاقاتها الدولية، التي كانت الحصن الواقي لمسار المنظمة واستمرارها..

لا شكّ أن الرابطة لم تكن موفقة دائما في قراراتها ومواقفها وتوجهاتها، ومن هنا لحظات الضعف التي انتابتها، لكنّها عرفت لحظات قوة شهد بها الخاص والعام، في الداخل والخارج، إلى الحدّ الذي جعل تاريخ تونس المعاصر مرتبطا بتاريخ هذه المنظمة، وظلت نضالاتها، علامة فارقة في الذاكرة التونسية، يذكرها النظام، فيلعنها في السرّ، ويشيد بمناقبها في العلن، وتتذكرها الحركة الديمقراطية والحقوقية في تونس والعالم العربي، فلا تملك إلا أن تحيي هذا الهيكل رغم كل الاختلافات والتباينات التي يمكن أن تسجّل معها أو ضدّها، ويكفي القول في هذا السياق، أن الرابطة، كانت أول منظمة حقوقية تنشأ في العالم العربي وفي القارة الإفريقية، بما جعلها أيقونة بين الحركة الحقوقية العربية والإفريقية..

لكنّ الرابطة التي تستعدّ للاحتفال بمرور أربعين عاما على تأسيسها، تبدو اليوم، بعد ثورة يناير 2011، وكأنها منظمة تبحث عن نفسها، وسط مناخ جديد من الحريات، وسياقات جديدة من الحياة الديمقراطية، كان الرابطيون يتمنونها، فإذا هم يرونها رأي العين في واقع تونس اليوم، مما جعل الرابطة قليلة الحضور في الحراك الحقوقي والمنظماتي، رغم مشاركتها الفعالة في الرباعي الذي قاد الحوار الوطني..

تبدو الرابطة اليوم، بحاجة إلى تصورات عن دورها "الجديد"، وتحالفاتها، وطبيعة علاقتها بنظام الحكم، والطيف السياسي في البلاد، بعيدا عن أي توظيف، سواء اتخذ رداء سياسيا أو إيديولوجيا أو حزبيا، وأخذًا في الاعتبار، التحولات التي تشهدها الحركة الحقوقية العالمية، في فكرها وهيكلتها وبعدها المستقبلي..

ستظل الرابطة على هامش المشهد التونسي اليوم، إذا لم تجب على إشكاليات أساسية أبرزها: مسافتها مع الحكم ومع الأحزاب، خصوصا اليسارية منها، ورؤيتها لأحزاب اليمين، وبخاصة الأحزاب التي توصف بـ"الإسلامية"، وموقفها من النظام القديم الذي قامت ضدّه ثورة، وهو يعود اليوم للمشهد بذات الشخوص والفعاليات، وربما بعض الممارسات اللاحقوقية التي واجهتها الرابطة منذ أربعين عاما، وهي تكتفي اليوم بالتعبير عن موقفها منها، ببيانات لا تسمن ولا تغني من جوع..

المهمة ليست هيّنة، بل هي صعبة ومعقّدة، لكنها ليست مستحيلة على الرابطة التي تملك جميع مقومات النهوض الجديد، إذا ما حافظت على استقلاليتها، وابتعدت عن التجاذبات السياسية والحزبية، ووضعت نفسها في مقام "الراعي" للحريات والحقوق، وكانت إحدى الدوافع الرئيسة في الثورة التشريعية والقانونية التي تحرص النخب على تأخيرها، ومن مسؤوليات الرابطة أن تكون المحرّك الأساسي لها..

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"