بقلم : توفيق المديني الجمعة 07-10-2016 الساعة 03:01 ص

الانتخابات المغربية في ظل تنافس القطبين

توفيق المديني

يشهد المغرب اليوم الجمعة 7 أكتوبر الجاري- بعد أول تجربة حكومية يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي- انتخابات تشريعية، حيث يدلي حوالي 16 مليون مغربي بأصواتهم في صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء البرلمان لخمس سنوات مقبلة، ويتنافس أكثر من 30 حزبًا على 395 مقعدًا في البرلمان. غير أن المنافسة الحقيقية تنحصر بين حزب العدالة والتنمية الإسلامي وحزب الأصالة والمعاصرة الذي يلقب في المغرب باسم «حزب الملك»، ذلك أن مؤسسه فؤاد عالي الهمة هو صديق مقرب للعاهل المغربي محمد السادس، باعتبارهما الحزبين القطبين الرئيسيين في هذه الانتخابات، لكن تخوض الانتخابات أيضًا أحزاب أخرى لها وزن سياسي، مثل حزب الاستقلال (محافظ) والحركة الشعبية (يمين) والتجمع الوطني للأحرار (ليبرالي) والاتحاد الاشتراكي (يسار). ويقود التحالف الحكومي حاليًّا حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

وتعتبر الانتخابات التشريعية التي تجرى اليوم، هي الثانية منذ إقرار الدستور الجديد في استفتاء شعبي نُظم في 1 يوليو2011. وكان الملك محمد السادس اقترح تعديل الدستور المغربي في 9 مارس2011 في خطوة وصفها المراقبون بأنها حركة استباقية لتفادي الاحتجاجات الشعبية التي شهدها المغرب بعد نجاح الثورتين التونسية والمصرية في الإطاحة بالنظامين الديكتاتوريين الحاكمين في كل من تونس ومصر. وكان المغرب قد شهد حِرَاكًا كبيرًا قادته حركة 20 فبراير2011 التي رفعت شعار: «إننا نريد ملكًا يسود، لكنه لا يحكم». وانتقدت حركة 20 فبراير التي تضم في صفوفها شباب الخريجين من الجامعات العاطلين عن العمل، بشكل مباشر، المخزن، أي السلطة المغربية، بسبب انتشار الفساد.

وفي الانتخابات التشريعية التي جرت في 25 نوفمبر 2011، حصل حزب العدالة والتنمية الإسلامي على 107 مقاعد، مُتقَدِّمًا بمعدل الضعف على منافسه حزب الاستقلال بزعامة رئيس الوزراء السابق عبّاس الفاسي الذي حلّ في المرتبة الثانية. بـ60 مقعدًا، ويليه ثالثًا حزب التجمع الوطني للأحرار صاحب التوجه السياسي الليبرالي بـ52 مقعدًا، فحزب الأصالة والمعاصرة ذو التوجه الاجتماعي الديمقراطي رابعًا، والذي أعلن رسميًا توجهه صوب المعارضة، بـ47 مقعدًا، فحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أكبر حزب يساري في المغرب، خامسًا بـ39 مقعدًا. ويليه سادسًا في الترتيب النهائي لتشريعات نوفمبر في المغرب التي أتت 4 أشهر على تصويت المغاربة بنسبة 73% على الدستور الجديد، حزب الحركة الشعبية الليبرالي الاجتماعي بـ32 مقعدًا، وسابعًا أتى حزب الاتحاد الدستوري اليميني بـ23 مقعدًا، وثامنًا وبـ 18 مقعدًا جاء حزب التقدم والاشتراكية اليساري.

لا شك أن هذه الانتخابات التشريعية تميزت عن مثيلاتها السابقة ليس لكونها ثمرة الإصلاح السياسي الديمقراطي في المغرب فحسب، بل لأنها كانت في حد ذاتها حلقة مصيرية في هذا الإصلاح. فالإيجابي عند المغاربة أنهم خرجوا من دوامة الجدل حول صنع الخريطة السياسية، بعد أن خرجوا من أجواء القطيعة والتشنج، لينضموا في مسيرة تطوير وإصلاح المؤسسات الدستورية، ووضع المغرب على سكة ودرب الحداثة والديمقراطية.

وبعد أن تحول «الربيع العربي» عن مساره التاريخي بسبب مصادرته من قبل الحركات الإسلامية الجهادية، وفي ظل إخفاق حركات الإسلام السياسي المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي جاءت إلى السلطة في نهاية سنة 2011، وبداية سنة 2012، عن محاربة الفساد المستوطن في البلدان العربية، وتحقيق منوال تنمية جديد يقطع مع علاقات التبعية للغرب، ويلبي انتظارات الكتلة التاريخية المتكونة من الشباب المهمش والعاطل عن العمل، والطبقات الشعبية الفقيرة، والوسطى، وإجهاض أهدافها الحقيقية في التأسيس الديمقراطي للدولة المدنية الحديثة، وتأصيل الثقافة الديمقراطية القائمة على حماية المجتمعات العربية المتنوعة، كل هذه الإخفاقات ستكون لها تداعيات كبيرة على النتائج المرتقبة في الانتخابات التشريعية المغربية الحالية، لاسيَّما أن الحكومة الإسلامية المغربية التي يقودها عبدالإله بنكيران، لم تشكل استثناءً إيجابيًا في المغرب، إذ تعرضت لانتقادات كثيرة، بسبب عجزها عن حل المشكلات،في مجالات: التعليم، والصحة، إضافة إلى ضرب القدرة الشرائية للمواطن المغربي، بغلاء الأسعار، وقزم الأجور.

ومع ذلك، فإن حزب الأصالة والمعاصرة المنافس الرئيس لحزب العدالة والتنمية، الذي ليست لديه نية للاكتفاء بالتواجد شَرِيكًا في الحكومة القادمة -فهو لم يعد يطيق لا المعارضة ولا مجرد الشراكة مع أحزاب أخرى من دون رئاسة الحكومة- يتخوف من نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة، لاسيَّما إذا ما فاز فيها حزب العدالة والتنمية، لأن هذا الفوز سيسمح له برئاسة الحكومة والبقاء في السلطة لسنوات قادمة، الأمر الذي سيفسح في المجال للحكومة الإسلامية مراكمة تجربتها وتجذرها السياسي والاجتماعي في المشهد السياسي والسلطوي المغربي. وهذا من دون شك سيؤثر سلبًا على مستقبل حزب الأصالة والمعاصرة، لأنها كفيلة بتغيير الكثير من الأوضاع السياسية والمقولات والمواقف والأشخاص، حسب رأي الباحث كمال القصير.

إن تجديد الدولة المخزنية، وانتقال المغرب إلى ملكية دستورية على نمط ما هو سائد في الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية، أمر مرهون ببراعة الأحزاب السياسية المغربية المرتبطة بالعرش والمعارضة على حد سواء، وبالوضع الدولي والتوازنات الداخلية. ويتطلب أي إصلاح ديمقراطي أو أي تغيير حقيقي في المغرب، إحداث انقلاب فعلي في العلاقات بين سلطة المخزن والمجتمع المدني، بما يسمح بالانطلاق من تطوير أجهزة الدولة، وتحسين عمل المؤسسات، أي وضع القوانين الأساسية لتطور ديمقراطي سليم، يسير في اتجاه ترسيخ دولة الحق والقانون، وتقوية دور الأجهزة الحزبية، والنقابات، وجمعيات المجتمع المدني. ولو تحقق مثل هذا الانقلاب في العلاقة بين سلطة المخزن والمجتمع المدني، فإن تحولًا راديكاليًا سيطرأ على طبيعة الديمقراطية عينها: فمن ديمقراطية تمثيل ستتحول أيضًا إلى ديمقراطية مشاركة... والديمقراطية إما أن تكون تشاركية وإما لا تكون ديمقراطية أصلًا.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"