بقلم : طارق الزمر السبت 08-10-2016 الساعة 01:57 ص

الإرادة المنسية في حرب أكتوبر

طارق الزمر

من خطايا الاستبداد في عالمنا العربي أنه يتعامل مع الأحداث وفق الاتجاه البطولي في تفسير التاريخ الذي عفا عليه الزمن والذي يعتبر الزعيم الفرد هو صانع الإنجازات والانتصارات وما الشعوب إلا ديكور في مشهد إنجازات الزعماء!! من هذا المنطلق أرى أنه من الخطأ بل الخطيئة الاستمرار في اختزال حرب أكتوبر في تجليات بطل الحرب والسلام أو عبقرية صاحب الضربة الجوية لأنه في ضوء ذلك تمت اهالة التراب على دور الشعب ودور الجنود وصغار الضباط الذين حملوا النصر على أكتافهم وحموه بـأرواحهم.

فالشعب هو الذي رفض هزيمة يونيو منذ اللحظات الأولى وخرج منددا بالقادة الذين تسببوا فيها مطالبا بمحاكمتهم.. والشعب هو الذي أجبر السلطة على الإعداد للحرب والعمل على إزالة آثار العدوان.. والشعب هو الذي أطلق النكات الساخرة والمحرضة في آن على الجيش الذي يتعامل بكبرياء مع شعبه بينما هرول تاركا سلاحه في عرض الصحراء لعدوه.. والشعب هو الذي استجاب لقرارات شد الأحزمة وتحمل تبعاتها استعدادا للحرب.. والشعب هو الذي حمى الجبهة الداخلية بالوقوف صفا واحدا خلف قرار الحرب من خلال تدفق المتطوعين للقتال وتدفق المتبرعين بالدم بل عاش الشعب بكل كيانه خلف المعركة حتى أن الإحصاءات تؤكد أن معدل الجرائم في أيام الحرب كان صفرا بما في ذلك توقف السرقات تماما.. والشعب هو الذي تحمل تكلفة الحرب البشرية فلم تخل مدينة أو قرية من شهيد.. والشعب هو الذي تحمل تبعات الحرب الاقتصادية جوعا وحاجة.

أما عن دور الجندي والضابط المصري فهو دور محوري يحتاج لجهود كبيرة كي يكشف للملأ ويراه الجميع فالقادة لا يصنعون انتصارات بمفردهم دون جنود قرروا أن يضحوا بحياتهم لرفعة شأن بلادهم والانتصار على عدوهم.

كل هذا يدعونا لمراجعة دور القادة في الحرب ومدى تمسكهم بمقتضياتها ونتائجها فقائد الحرب والسلام سلم بكل شروط العدو في كامب ديفيد وحول الدولة المصرية من المدافع الرئيس عن الأمن القومي العربي إلى خنجر في ظهر الأمن القومي العربي أما صاحب الضربة الجوية فقد أكمل مشوار كامب ديفيد حتى نهايته فرأيناه يحاصر غزة ويجعل الدولة المصرية كلها خصما للقضية الفلسطينية.

لهذا يجب أن نستنكر بكل قوة ما يجري اليوم من استغلال نصر أكتوبر لإضفاء شرعنة على حكم عسكري لا يمتلك أدنى درجات الشرعية كما أن النصر إن كان يصلح سندا لمشروعية حكم من خططوا أو شاركوا في الحرب فلا يصلح مطلقا أن يكون سندا لجنرالات لم يكن لهم أي شرف في التخطيط أو المشاركة في الحرب.

بل إننا إذا تأملنا في النصر اليتيم الذي حققته القوات المسلحة في أكتوبر نجده قد جاء في مرحلة كان الجيش في أدنى درجات التحامه بالسياسة وذلك بعد أن اكتشف الجميع أن أهم أسباب كارثة 1967م هو انغماس الجيش في السياسة والحكم فلا يخفى على المخلصين أن انشغال الجيوش بالسياسة والحكم يؤدي إلى:

- فساد قادتها جراء مغريات الحكم ولاسيَّما الاقتصادي منها.

- فشلهم في الحكم الذي أصبح بحاجة لتخصصات عديدة ليس من بينها التخصص القتالي.

- انهيار قدرات البلاد الدفاعية لانشغال الجيوش عن مهامهم الرئيسة.. وهو ما نراه بوضوح في الهزيمة المخزية لقوات الجيش المصري المجهزة بأحدث وأعتى الأسلحة أمام مجموعات مدنية مسلحة في سيناء.

فالسياسة هي مقبرة الجيوش لأنها إذا حكمت فسدت وإذا فسدت فشلت في الحكم فتسقط هيبتها فتتزايد معارضتها فتقمع شعبها ثم تتحول من حماية الديار إلى حماية حماة الديار أي حماية نفسها.

إن الصورة الأسوأ لحكم الجيوش يمكن أن نراها في إصرار الجنرال المصري ومجلسه العسكري على استمرار وجود الجيش بالشوارع والميادين فذلك يعني:

أن الجنرالات سيظلون يحكمون رغما عن الشعب

وأنهم على استعداد لاستخدام كل الأسلحة والتي هي ملك الشعب في مواجهته

أن الجيش جيشهم وأنه مسخر للدفاع عن حكمهم

أن الدولة قد اختزلت في النظام عند الجنرال وكأنه يردد مقولة لويس التاسع: أنا الدولة!!

وكل ذلك يعني أن النظام العسكري قد فشل بشكل واضح وأنه لم يعد قادرا على حماية نفسه بالمنجزات فهو يحميها بالمجنزرات والمدرعات.

إن فلسفة حكم الجيوش في عالمنا الثالث هي بالأساس تصميم استعماري حتى إذا انسحب الاستعمار وجد من ينوب عنه في حكم الشعوب قائما بكل مصالحه الإستراتيجية وملبيا لكل طموحاته وهو تصميم يستند إلى أن الجيوش لم تتدرب على الحكم وإنما تدربت على القتال -كما يعرف الجنرال المصري الجيش بأنه أداة قتل- وهو ما يؤدي إلى استعمالها لكل ما تدربت عليه باعتبارها فنونا للحكم بينما هي فنون للقتال وهذا ما يؤدى دائما لعلاقات متوترة بين الشعوب وجيوشها التي تلجأ ضرورة ودائما للمستعمر طالبة الدعم السياسي والتسليح العسكري فإذا أراد المستعمر تغييرها رفع عنها الغطاء وقطع عنها المدد فتسقط مباشرة.

وفي الختام فإنني أتوجه بالتحية لشهداء أكتوبر كما أتوجه بالتحية لشهداء يناير نظرا للعلاقة الوطيدة بينهما، فإذا كانت أكتوبر قد استعادت كرامة وهيبة الجيش التي دنسها قادته في حرب 1967 فإن يناير تهدف للحفاظ على كرامته وهيبته ومكانته بعيدا عن السياسة والحكم كما أن يناير تسعى لتصحيح الفساد الذي لحق بقادة المؤسسة العسكرية وتصحيح وضعيتها التي أصبحت محتكرة لصالح حفنة من الجنرالات يسخرونها لمصالحهم الذاتية حتى أصبحت سيفا للنظام وسيفا على رقبة الدولة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"