بقلم : توفيق المديني الجمعة 14-10-2016 الساعة 02:05 ص

مغزى فوز حزب العدالة و التنمية الإسلامي

توفيق المديني

تصدر حزب »العدالة والتنمية» الذي يترأس الحكومة في المغرب منذ سنة 2011، الانتخابات البرلمانية المغربية، التي جرت يوم الجمعة 7 أكتوبر الجاري ،والتي شارك فيها 24 حزبًا سياسيا وتحالفان حزبيان (التحالف يضمّ حزبين سياسيين أو أكثر)، إذ حصل على 125 مقعداً من أصل 395 مقعداً في مجلس النواب، أي بزيادة 18 مقعداً عما كان في حوزته في المجلس المنتهية ولايته، كما حصل على أكثر من 1.8مليون صوت في الاقتراع، أي بزيادة أكثر من نصف مليون صوت عما حصل عليه في العام 2011 . وجاء حزب «الأصالة و المعاصرة» المقرب من القصر الملكي ، في المرتبة الثانية ،إذا انتقل من 47مقعدًا في الانتخابات التشريعية سنة 2011، إلى 103مقاعد في الانتخابات الأخيرة، مستعملاً المال السياسي ونفوذ السلطة والأعيان وكبار رجال الأعمال الذين وضعهم في مقدمة قوائمه الانتخابية، من أجل الفوز في الانتخابات .

رغم أن «الربيع العربي» تحول إلى خريف بحكم تداعياته المختلفة في العديد من البلدان العربية، لا سيما تلك التي تشهد حروبا أهلية وطائفية، فإن المغرب لا يزال يمثل استثناءً في عملية الانتقال الديمقراطي وفق طريقته الخاصة، التي تقوم على المزاوجة بين الإصلاح المتدرج والحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.فللمرة الثانية تُجْرَى في المغرب انتخابات تشريعية يتم فيها احترام إرادة الناخبين،ويتم فيها أيضًا الالتزام بما جاء في الدستور المعدل في 1يوليو2011، وهذا ما يؤكد للعديد من المراقبين أن الانتخابات الديمقراطية والشفافة أصبحت من الثوابت السياسية للدولة . فبعد فوز حزب العدالة و التنمية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، استقبل العاهل المغربي محمد السادس يوم الإثنين الماضي،زعيم الإسلاميين المعتدلين عبد الإله بنكيران، وعيّنه رئيساً للحكومة لولاية ثانية، تطبيقا لنص الدستور الجديد الذي أكّد على أن الحزب الفائز في الانتخابات هو من يتولى تشكيل الحكومة .

لقد شكل هذا الاستحقاق الانتخابي تحولًا للخارطة السياسية المغربية ،التي خرجت من نمط البلقنة السياسية، لتدخل في مرحلة جديدة هي مرحلة الاستقطاب السياسي الثنائي على النمط الغربي ،إذ أصبح للمغرب الآن حزبان سياسيان يتنافسان :الأول ،حزب العدالة و التنمية الإسلامي المعتدل ، الذي صوت له 1.8 مليون مغربي ،رغم الضغوطات التي مورست عليه طيلة المرحلة الماضية من قبل العديد من الأطراف السياسية المعروفة و المقربة من السلطة، ورغم أنه هوالحزب الذي قاد الحكومة السابقة لمدة خمس سنوات، و اتخذ إجراءات تقشفية وغير شعبية، كان يمكن أن تأكل من رصيده الانتخابي، فإنه مع كل ذلك حافظ حزب العدالة و التنمية الإسلامي المعتدل على نهجه التصاعدي في زيادة قوته الانتخابية و توسيع قاعدته الاجتماعية، منذ أن فاز في انتخابات 1996 بنحو 9 مقاعد، مرورا بـ42 مقعدا في ما تلاها، ثم 107 مقاعد في 2011، ووصولاً إلي نتيجته الحالية التي تكرس عبد الإله بنكيران زعيماً للتيار الإسلامي المشارك، وزعيماً سياسياً قادرا على التعبئة من داخل الحكومة نفسها.

ورغم تراجع أحزاب الإسلام السياسي في دول «الربيع العربي» ، فإن حزب العدالة و التنمية ،استطاع بنهجه البراجماتي، وتحرره من الطابع الأصولي للإيديولوجيا الدينية، وتميزه بمناهضته التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبمبادراته لمكافحة الفساد في المؤسسات العامة بالمغرب، وضد مظاهر التفسخ الأخلاقي والانحرافات الاجتماعية، أن يدخل اللعبة الديمقراطية وفق القواعد الغربية، التي تقوم على احترام ثقافة التعدد و التنوع في المجتمع، و الانتقال السلمي و الهادىء للسلطة ، ويوظفها لمصلحة زيادة نفوذه داخل المجتمع المغربي، لا سيما استمالته للطبقة المتوسطة في المدن المغربية الكبيرة. فالحواجز التي وُضِعت أمام انتشار الإسلام السياسي في المغرب لم تؤدِّ إلى تراجع نفوذه، بل قد تكون عززت صدقيته أمام الأحزاب العلمانية التي تصنف بأنها قريبة من الحكم ومؤيدة للغرب.

أما الحزب الثاني، فهو حزب الأصالة و المعاصرة العلماني و المقرب من السلطة، والذي أصبح متخوفًا من فوز حزب العدالة والتنمية ،لأن هذا الفوز سيسمح له برئاسة الحكومة والبقاء في السلطة لسنوات قادمة،الأمر الذي سيفسح في المجال للحكومة الإسلامية بمراكمة تجربتها وتجذرها السياسي والاجتماعي في المشهد السياسي والسلطوي المغربي.وهذا من دون شك سيؤثر سلبًا على مستقبل حزب الأصالة والمعاصرة، لأنها كفيلة بتغيير الكثير من الأوضاع السياسية والمقولات والمواقف والأشخاص.

وفي الوقت الذي كرّست فيه الانتخابات المغربية الاستقطاب الثنائي بين الحزبين الكبيرين ، فإنها بالمقابل أكّدت على التراجع التاريخي للأحزاب الوطنية المغربية التي لعبت أدورا رئيسة في حركة التحرر الوطني من أجل نيل الاستقلال ، حيث حصل الاستقلال المعارض على 40 مقعداً فقط عوض 62 في العام 2011، وكان خارجًا من الحكومة وقتها،وبفارق كبير 63 مقعداً،تفصله عن حزب الأصالة و المعاصرة الذي حل ثانيا بنحو 103 مقاعد، في حين تراجع الاتحاد الاشتراكي المعارض من 40 إلى 20 مقعدا في انتخابات كان معولاً عليها كثيراً.

رغم أن المغرب يشهد ولادة ديمقراطية ناشئة، فإن المعضلة لا تزال قائمة، وهي العزوف الانتخابي الكبير المستمر، فنسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت بنحو 43في المائة من عدد المسجلين أي 16 مليونا، في حين أن المغاربية الذين يحق لهم التصويت يبلغ عددهم حوالي 26مليون ناخب، وهو ما يؤكد لنا إذا طبقنا العملية الحسابية على نسبة الذين صوتوا، نجدهم 7ملايين فقط، أي 27 في المائة من أصل ال26مليونا . وهذه نتيجة متدنية جدا،تبين لنا أن هناك مجموعة من الأسباب تشرح لنا عدم اهتمام المغاربة بهذه الانتخابات التشريعية، منها:أولاً: الشعور العام لدى قسم من المغاربة أن هذه الانتخابات لن تغير شيئاً في مجرى حياتهم.وثانياً: أن الأحزاب السياسية لا تعبر عن طموحات المغاربة، وبالتالي هم لا يجدون أنفسهم فيها. وثالثاً: أن نصف سكان المغرب أُمِّيُون.

ومع كل ذلك، أضفت الانتخابات المغربية الأخيرة صدقية على الإصلاحات الدستورية ،ومنحت الديمقراطية الناشئة في المغرب صدقية وصورة جيدة في الخارج.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"