بقلم : د. محمد نور الدين السبت 15-10-2016 الساعة 01:44 ص

ما بين تركيا وروسيا

د. محمد نور الدين

ما بين تركيا وروسيا من الخلافات التاريخية والجغرافية والحضارية والاختلافات الدينية والعرقية والحروب والتنافس قد لا يتوافر مثله بين دولتين أخريين.

فلا يتذكر التاريخ أن تعاونا مهما قام بين الدولتين منذ العثمانيين إلى الشيوعيين وإلى بضع سنوات خلت.

ففي العهد العثماني كانت الحروب كرا وفرا وفي العهد الشيوعي ترسخ العداء لتكون تركيا جزءا متقدما من الحرب الباردة بين حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو.

وحين تفكك الاتحاد السوفيتي، سارعت تركيا إلى استغلال الحدث الكبير من أجل ملء الفراغ الذي ولده نشوء واستقلال العديد من الجمهوريات في القوقاز وآسيا الوسطى عن المركز موسكو. وكان الضعف الذي أصاب روسيا في عهد بوريس يلتسين فرصة لتركيا لتعزز ارتباط الجمهوريات ذات الأصل التركي معها على قاعدة أنها "الشقيق الأكبر" وهو ما أثار لاحقا حساسيات بين تركيا وهذه الجمهوريات نفسها.

وكان أبرز خطوة على هذا الصعيد نجاح تركيا بفضل مبادرة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في الاتفاق مع أذربيجان وجورجيا في بناء خط أنابيب باكو – تبليسي- جيحان الذي ينقل النفط من حوض قزوين إلى الموانئ التركية ومنها إلى العالم. وهي خطوة كانت تهدف إلى إضعاف خطوط نقل النفط الروسية إلى أوروبا المارة عبر أوكرانيا.

في جميع الأحوال كان شعار أن تركيا لها أبعاد متعددة والتي جاء بها حزب العدالة والتنمية مناسبة لكي تعيد أنقرة الاعتبار لعلاقاتها مع موسكو على قاعدة التعاون لا التنافس والشراكة لا العداء.

ونجحت تركيا مع روسيا التي أصبح فلاديمير بوتين زعيما لها في نسج علاقات قاربت الشراكة الإستراتيجية بين أعوام 2008 و2015. ورغم الخلافات الكبيرة حول الأزمة السورية فإن العلاقات التركية - الروسية كانت نموذجا للشراكة الإستراتيجية التي تفصل بين العلاقات الاقتصادية والخلافات السياسية. لذا وصل الميزان التجاري بينهما في نهاية العام 2015 إلى 32 مليار دولار.

إسقاط الطائرة الروسية من قبل الأتراك في 24 نوفمبر 2015 قطع مثل سكين في قالب جبنة، العلاقات الثنائية وكأنه لم تكن هناك علاقات ولا اتفاقات ولا حجم تجارة كبير. وكان هذا أمرا غريبا في علاقات قوية بين بلدين كبيرين.

ولقد شعر البلدان بالتأثيرات السلبية على كل منهما لهذا التوتر. لا شك أن روسيا دولة كبرى قادرة على امتصاص هذه التأثيرات أكثر من تركيا الغارقة في مشكلات داخلية وخارجية كثيرة آخرها محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة.

لذلك كانت الخطوة الأولى لتحسين العلاقات من جانب تركيا التي أرسل رئيسها رجب طيب أردوغان رسالة اعتذار فتحت أمام تطبيع سريع نسبيا للعلاقات. وجاء الانقلاب العسكري واتهام واشنطن أنها متورطة فيه لتسرّع أكثر من التقارب التركي- الروسي.

بعد شهرين فقط من أول لقاء بينهما في التاسع من آب/ أغسطس الماضي كان بوتين وأردوغان يلتقيان من جديد مطلع الأسبوع الحالي في أنقرة في مؤتمر الطاقة العالمي بل يوقعان اتفاقية مد خط "السيل التركي" من روسيا عبر البحر الأسود مباشرة إلى تركيا ومن هناك إلى أوروبا. كان هذا تحولا مهما لصالح البلدين. فروسيا ستؤمن بديلا عند الضرورة لخط الغاز التابع لها الذي يمر عبر أوكرانيا في خضم الخلاف مع أوكرانيا ومع أوروبا. وتركيا ستتحول أكثر إلى مركز لتوزيع وتمرير الطاقة إلى العالم.

كذلك فإن روسيا سوف تكون مرشحة بقوة لبناء مفاعل نووي في مرسين كان تم الاتفاق عليه سابقا لتعود تركيا مركزا للاستثمارات الروسية ولتوفر تركيا ما لا يقل عن عشرة في المائة من إنتاج الكهرباء عبر المحطة النووية.

مما يبدو من لقاء بوتين- أردوغان أن الطرفين يريدان العودة إلى علاقات طبيعية اقتصادية خارج أي تأثيرات سياسية. وهذا بالطبع سيكون لمصلحة البلدين إذ لا يجوز أن تبادر الدول عند أقل خضة سياسية أو عسكرية بينها إلى الإطاحة بكل العلاقات الاقتصادية وإيذاء الشعوب.

أما باقي الملفات السياسية والخلافية فلا يبدو أنها ضاغطة في هذه المرحلة على الطرفين. فإن كانت حلول لها ففي ذلك خير وإلا فلتبق بعيدا عن التأثير السلبي في المصالح الاقتصادية وهو على ما يبدو عنوان المرحلة الجديدة من العلاقات التركية- الروسية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"