بقلم : فتحي أبو الورد الجمعة 21-10-2016 الساعة 02:37 ص

حين تصبح الأمنية كيلو سكر

فتحي أبو الورد

جاء في تعريف الخلافة أو الرئاسة بالمفهوم المعاصر عند فقهاء السياسة الشرعية بأنها (خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) منهم الجويني والماوردي وابن خلدون والشيخ عبد الوهاب خلاف. وجاء في تعريفها في الدستور الذي أقره المجلس الإسلامي العالمي في إسلام آباد في ديسمبر 1983، أنها (أصل تستقر به قواعد الدين وتنتظم به مصالح الأمة).

وقوام هذه الرئاسة ومتضمنها حفظ الثغور، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين، والنظر في المصالح وتدبير شؤون الأمة.

ولذلك اتفقت كلمة العلماء على وجوب نصب إمام أو رئيس للناس يتولى أمرهم ويسوس دنياهم بالدين. وحاجة الناس إلى الإمارة لا تقل عن حاجتهم إلى اجتماع بعضهم ببعض، كما قال الشاعر الأفوه الأودي في أناس ليس لهم رئيس:

لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم *** وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا

ومن صميم مهمة الحاكم السعي لإغناء الناس بتوفير فرص العمل ووسائل الكسب الحلال، وإرخاص الأسعار، وتوفير الطعام والشراب والكساء والدواء للرعية، كل الرعية، بغض النظر عن دين بعضهم أو لونهم، ما داموا يعيشون تحت رعاية الدولة الإسلامية.

ولعلم عمر بأن هذه من واجباته كان يسأل الوفود القادمة من الولايات عن الأسعار، وعن توفر الطعام، وعن اللحوم بخاصة لأنها أهم غذاء العرب.

جاءه أحد الوافدين فسأله عمر عن الأسعار. فقال: هي أرخص الأسعار. فسأله عمر: وكيف اللحم عندكم، فإنها شجرة العرب، وﻻ تصلح العرب إلا بشجرتها؟ فقال الرجل: البقرة بكذا والشاة بكذا.. يعنى بأسعار بسيطة.

وكان مما جاء في كتاب علي بن أبى طالب إلى واليه على مصر مالك بن الحارث الأشتر النخعي (في كتاب "مآثر الإنافة في معالم الخلافة" للقلقشندي ت: 821هـ):

(أشعر قلبك بالرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليه سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق).

وحين تحتكر بعض الحكومات الدواء والسكر والأرز واللحوم والزيت وكل احتياجات المواطن الأساسية، وتغتنم طعامه وقوته، وتحكم القبضة عليه، وتضيق عليه الخناق، وتستحيل وحشا مفترسا، تبتزه وتساومه على كرامته وحريته في مقابل جوعه وخوفه، حين يحدث هذا فنحن إذن أمام عصابات سطو مسلح.

وقد ابتليت الشعوب المسلمة في عصرنا بمن أجهدها وأعنتها وشق عليها حتى تلهث وراء السلع الضرورية المحتكرة قصدا، والمختفية عمدا، ليقضى الناس صفحة نهارهم في البحث عن كيلو من السكر أو مثله من الأرز، أو ملء أسطوانة من الغاز، فإذا ظفروا بذلك فقد تحققت أمنيتهم، واستجاب القدر لدعائهم.

وقد دعا النبي على أمثال هؤلاء ممن شقوا على الناس كما جاء في صحيح مسلم: "اللهم، من ولي من أمر أمتي شيئا فشَق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم، فارفق به".

إن أمثال هؤلاء الأجراء لدى الأمة الذين فهموا الولاية على أنها سيادة على الشعوب، ونهب لأقواتهم ومقدراتهم، وفرصة أتاحها الزمان للسرقة، وابتلاع الأملاك، وامتلاء الكروش، واستعباد الخلق، والشعور بنشوة التسلط والاستعلاء، هؤلاء يجب أن تقاومهم الشعوب بما تستطيع كي تستبدل بهم غيرهم، لأن ضريبة بقائهم واستمرارهم أكبر بكثير من ضريبة التسليم لهم والخوف منهم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"