بقلم : توفيق المديني الجمعة 21-10-2016 الساعة 02:41 ص

الحكومة التونسية والعدالة في التضحية

توفيق المديني

يعترف القاصي والداني في تونس أن مشروع قانون المالية لسنة 2017، الذي صادقت عليه حكومة يوسف الشاهد يوم 14 أكتوبر الجاري، كان ببصمة صندوق النقد الدولي، الذي أصبح يتحكم في خيارات تونس المالية، ويفرض عليها شروطا مؤلمة، بسبب الوضعية المالية المتدهورة في البلاد. وقد أطلق مشروع قانون المالية جدلًا داخليًا في تونس، لا يزال قائما بين الاتحاد العام التونسي للشغل وعدد من المنظمات المهنية حول مفهوم تقاسم التضحيات لتأمين موارد إضافية لميزانية الدولة.

حكومة الشاهد أكدت على لسان ناطقها الرسمي أنها استجابت إلى «حزمة مطالب نقابية واجتماعية وجبائية»، كما التزمت بعدم رفع الدعم عن المواد الأساسية في خطوة للحفاظ على المقدرة الشرائية للطبقات الضعيفة والمتوسطة، كما أكدت التزامها بتخفيض مدة تجميد الأجور من 3 سنوات (وهو ما التزمت به تجاه صندوق النقد الدولي) إلى سنة واحدة شرط تحقيق نسبة نمو بـ3 بالمائة في سنة 2017.

تونس اليوم غارقة في حزمة من الأزمات المالية والاقتصادية، ولكن حين تطرح الحلول الوطنية الممكنة والواقعية تتجاهلها الحكومات المتعاقبة ما بعد سقوط النظام السابق، ولم تشكل حكومة الشاهد استثناء في ذلك، بل أكدت مرّة أخرى أنها امتداد لنفس الفشل في حكومة الصيد، من خلال لجوئها إلى صندوق النقد الدولي للتداين، ومن خلال أيضًا إقرارها مشروع قانون المالية، الذي هو من صنيع صندوق النقد الدولي الذي يعمل وفقا لقاعدة «المال مقابل الطاعة»، والاستجابة لإملاءاته.

غير أن الأطراف الوطنية والنقابية الرافضة لهذا التمشي تقول إن الحلول البديلة موجودة من أجل توفير موارد إضافية للميزانية ولتفادي تجميد الأجور والترفيع في الأسعار وفي الضرائب. ومن هذه الحلول أن تفتح حكومة الشاهد ملف مقاومة الفساد، الذي يتطلب منها استعادة القروض المتعثرة التي انتفعت بها فئة معينة من رجال الأعمال. وفي هذا السياق، فضلت الحكومة التونسية صرف مبالغ مالية كبيرة من ميزانية الدولة حوالي 2000 مليار مليم (وهي أموال الشعب) لمساعدة البنوك العمومية على مواصلة نشاطها، وفضلت أيضًا هذا الحل الذي هو مثقل لكاهل المواطنين على الحل السليم والمنطقي المتمثل في استعادة أموال تلك البنوك التي تم صرفها في شكل قروض لفائدة رجال أعمال تونسيين موجودين في تونس الآن، وبالإمكان استرجاع تلك الأموال العمومية منهم، لكن حكومة الشاهد ترفض ذلك الحل، وهو ما يطرح التساؤل عن سبب عزوفها عن مطالبة هؤلاء بإرجاع ما عليهم من ديون من أموال الشعب والمقدرة بنحو 7000 مليار مليم؟

يعد ملف القروض البنكية من أهم ملفات الفساد التي أضرت بمصالح تونس، حيث عمد البعض من رجال الأعمال إلى إفراغ البنوك العمومية من المال، ولكن ليس لفائدتهم الشخصية فحسب، بل لفائدة كبار المسؤولين في الحكومة والإدارة. لكن المثير للجدل في تونس أنه بعد الثورة وقع التكتم على ملف محاربة الفساد من جانب الحكومات المتعاقبة- سواء في عهد حكم الترويكا أو في ظل حكومة الحبيب الصيد- التي لم تكن ساعية فعلا وبصفة جدية للتصدي لماكينة الفساد، وبالتالي لاسترجاع تلك القروض التي صرفت لفائدة رجال أعمال موجودين الآن في تونس.

ومن الواضح أن تلك الحكومات المتعاقبة أبرمت اتفاقيات مشبوهة مع رجال الأعمال، وتحصلت على مبالغ مالية هامة لدعم حملاتها الانتخابية وتمويل أعضائها، وبالتالي أصبح من الصعب أن تطالب الحكومات بإرجاع أموال البنوك العمومية بعد أن تبين لهم أن ما تسلموه فسادًا هو جزء من تلك الأموال، ولا يعقل إلزام رجال الأعمال بإرجاع مبالغ القروض بعد أن دفعوا للحكومات والأحزاب جزءا منها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"