بقلم : د. محمد مصطفى علوش السبت 22-10-2016 الساعة 01:34 ص

تفاهم عون-الحريري وتداعياته السياسية

د. محمد مصطفى علوش

أصبح رئيس التيار الوطني الحرّ ميشال عون أقرب اليوم إلى قصر بعبدا من أي يوم آخر بعد أن تبنى ترشيحه بشكل رسمي لرئاسة الجمهورية خصمه سعد الحريري زعيم أكبر كتلة سنية في البرلمان.

المعارض البارز للخطوة هو رئيس البرلمان وزعيم حركة أمل نبيه برّي الذي قال في حق سعد الحريري يوما: أنا معه ظالما أو مظلوما فهو الشخص الأكثر اعتدالا في الطائفة السنية في لبنان. والحريري من وجهة نظر برّي أحرق مراكبه كلّها مع حلفاء الأمس وهو يسير عكس المناخ السائد لقواعده الشعبية.

صحيح أن الحريري تنقل من موقف إلى آخر وما زال يقدم التنازل تلو التنازل، إلا أنه بحركته هذه خلق مشاكل وفجر صراعات داخل جبهة 8 مارس. فحليفا الأمس ميشال عون وسليمان فرنجية هما اليوم في خصومة شديدة كما أن ترشيح الحريري لعون مؤخرًا فجّر الصراع بين الأخير ونبيه بري. وعلى ما يبدو فإن ما طرأ على جبهة 14 مارس بعد انسحاب وليد جنبلاط منها ثم القوات اللبنانية وفتور الكتائب، قابله في الجبهة المضادة، تآكل وتشققات عميقة.

الانتفاضة التي افتعلها نبيه بري -وهو سياسي مخضرم ويعرف تماما من أين تؤكل الكتف- ليست اعتراضا على شخص عون وإن كان لا ينسجم معه وهما في حلف واحد منذ 11 عاما، وإنما اعتراض على تفاهمات وقعت بين الثنائي الحريري-عون دون أن يكون لبرّي دور في هذه التفاهمات.

لقد أفرزت التفاهمات العونية-المستقبل سلّة سياسية كاملة، تبدأ بتسمية عون رئيسا للجمهورية والحريري رئيسًا للحكومة ولا تنتهي عند الاتفاق على نصيب كل جهة من الحكومة القادمة ونوع الحقائب السيادية وأسماء مرشحيها وصولا إلى تكريس قانون الانتخاب المعروف بـ"قانون الستين" في الانتخابات البرلمانية القادمة على أن يُرحّل النقاش في سنّ قانون انتخابي بديل للبرلمان القادم. فهل ستحترق طبخة عون-الحريري قبل أن يُدعى الناس إلى الوليمة؟ وهل سيكتفي بري بالمعارضة البناءة للحكومة القادمة أم سيعرقل عملها؟

حزب الله الذي قال وزيره محمد فنيش إن الصمت أبلغ كلام في الرد على من يسألون عن موقف الحزب مما يجري، يبدو أنه في موقف حرج، لأنه يشهد تفككا لجبهة 8 مارس. فهل سيتمكن من إرضاء حليفه بري إذا كان الحزب بالفعل راضيا بالتسوية التي هندسها حليفة عون مع الحريري؟

وما المتغيرات الإقليمية التي تحدث في الجغرافيا المجاورة للبنان إلا انعكاس جديد لصورة التحالفات القائمة داخل البلد.. فالمعارضة القادمة ستكون خليطًا من موالاة ومعارضة في حال أبصر التفاهم العوني-المستقبلي النور، ومن في السلطة غدا سيكون لهم مواقف مختلفة لتلك التي تبنوها وهم في السلطة أمس. فهل هناك دعم دولي وإقليمي للتفاهمات الجديدة؟

الرياض التي استدعت سفيرها منذ مدة من لبنان ولم تعين خلفا له إلى اليوم لم يصدر عنها ما يؤيد خطوة الحريري الحالية بل ما نُقل عن سفارتها في مدح السياسي جان عبيد (مرشح دائم لرئاسة الجمهورية) أوحى بأنها غير معنية بما قدم عليه الحريري. يحكى هنا عن فتور تجاه الحريري، وأن الرياض تبحث عن بدائل أو تريد تنويع رجالاتها في لبنان. إيران بدورها أخلت الطريق لحليفها حزب الله. فهو مطلق الحرية في اتخاذ ما يراه مناسبًا، وثقتها بقدرة الحزب على إدارة الأزمة الداخلية في لبنان لا مجال للريبة فيه. أما عن سوريا التي كانت تصنع الرؤساء في لبنان وتهندس الحكومات وتتدخل في كل شاردة وواردة فهي اليوم أعجز من أن يكون لها كلمة الفصل في أي طبخة. وما ينقل عن مسؤوليها بخصوص هذا السياسي أو ذاك هو من باب جبر خاطر لتاريخ من النفوذ أفل نجمه منذ زمن.

وسواء كان هناك ضوء أخضر خارجي واضح لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في لبنان أم لا، فإن من المشكوك به أن ذلك قد يخرج لبنان من أزماته التي تعصف به أو يحدث فارقًا جوهريا في حجم ونوع المشاكل التي تغرق فيها البلاد. التفاهم السياسي يحرك المياه الراكدة في الحياة السياسية نعم. وقد ينعش الأمل بتحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لكن القناعة الراسخة عند الجميع أن الأمر لا يعدو أن يكون تغييرا طفيفا لا يضفي قيمة حقيقة عما يعيشه لبنان.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"