بقلم : أوّاب المصري الأحد 23-10-2016 الساعة 03:18 ص

في لبنان الإسلاميون مجرمون حتى تثبت براءتهم

أوّاب المصري

كل بضعة أيام نسمع عن نجاح الأجهزة الأمنية اللبنانية بالقبض على شخص ينتمي لجبهة النصرة أو تنظيم الدولة أو... بعد أيام يقضيها الموقوف في زنزانة الله يعلم أين مكانها، ويخضع لتعذيب الله أعلم بقسوته، تتم إحالة الموقوف إلى القضاء. بالتزامن مع هذه الإحالة، يصدر عن الأجهزة الأمنية بيان إعلامي تكشف فيه مضمون تحقيقاتها مع الموقوف، فتصدر حكمها بإدانته، وتُلزم بذلك القاضي الذي يستكمل التحقيق مع الموقوف التحرك ضمن ما توصلت إليه الأجهزة، حتى ولو كانت الإفادة التي أدلى بها الموقوف يشوبها ثغرات أو أخذت منه تحت التعذيب.

هي مخالفة صارخة وواضحة للقانون اعتادت عليها الأجهزة الأمنية دون أن نسمع صوتاً يستنكر ذلك. فحسب القانون ينحصر دور هذه الأجهزة بإجراء تحقيقات أولية مع الموقوف بإشراف القضاء المختص بانتظار إحالته إلى القضاء. علاوة على ذلك، التحقيقات سرية، ولايجب الإفصاح عن مضمونها أولاً لأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وثانياً حرصاً على سلامة استكمال التحقيق. فكيف سيكون الحال إذا تبين لاحقاً أن الاتهامات التي نشرتها وسائل الإعلام حول أحد الموقوفين غير صحيحة، أو أنها أخذت منه تحت التعذيب، أو.. من يعوّض للموقوف سمعته التي لطختها الأجهزة الأمنية، ومن يعيد إليه كرامته. ثم، ما الحاجة للقضاء طالما أن الأجهزة الأمنية هي التي تصدر أحكامها وتعلنها على الملأ؟ هل باتت وظيفة القاضي تنفيذ الأحكام الصادرة عن الأجهزة الأمنية، أم أن الأصل هو أن تلتزم الأجهزة بدورها وتقدم خلاصة تحقيقاتها للقاضي الذي ينظر في مدى صحة هذه التحقيقات ويستكملها للوصول إلى القناعة الكاملة التي يبني عليها حكمه؟.

الأمر نفسه يحصل منذ أسابيع مع المفتي الدكتور بسام الطراس، الذي تم توقيفه من قبل جهاز الأمن العام بالتزامن مع تسريبات أشارت إلى علاقة الشيخ بمتورطين في أحد التفجيرات التي شهدها لبنان. أُتبعت التسريبات ببيان رسمي تضمّن مضمون التحقيقات "السرية". لكن ونتيجة التوتر الذي أحدثه توقيف الطراس في الساحة الإسلامية، توجّه القاضي بنفسه إلى مكان التوقيف واستمع لإفادته، ولمّا لم يجد ما يستدعي التوقيف أمر بتركه بسند إقامة. لكن بعد بضعة أيام عاود فرع المعلومات اعتقال الشيخ الطراس بالتزامن مع ضخّ لتسريبات جديدة. فالأمر لم يعد لعلاقة الطراس بأحد التفجيرات، بل لعلاقته مع مسؤولين في تنظيم داعش، واستعداده ليكون أميراً للتنظيم في منطقة البقاع، وحيازته ذاكرة مشفّرة، وامتلاكه خطوطاً خلوية متعددة، ومشاركته في اجتماعات في تركيا.. وغيرها من التسريبات التي تقاسمت نشرها وسائل الإعلام. ما حصل لدى جهاز الأمن العام تكرر لدى فرع المعلومات، فبعدما استمع قاضي التحقيق بنفسه لإفادة الطراس، تبيّن له أن معظم المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام غير صحيحة، ولم يجد داعيا لاستمرار توقيفه فأمر بإخلاء سبيله، إلا أن النائب العام استأنف القرار نظراً للجو الإعلامي الذي أشاعته التسريبات فأبقى على الطراس موقوفاً.

في كل دول العالم تتمتع السلطة القضائية باستقلالية تامة عن أجهزة الدولة المختلفة، حرصاً على عدالة أحكامها ونزاهتها. لبنان الوحيد في العالم الذي تخضع فيه السلطة القضائية لرغبات الطبقة السياسية ولإرادة الأجهزة الأمنية، خاصة إذا كان الموقوف إسلامياً مؤيداً للثورة السورية ويقوم ببذل ما يستطيع للتخفيف من معاناة الشعب السوري ويرفض مشاركة حزب الله في قتل الشعب السوري، وهو ما ينطبق على المفتي الشيخ بسام الطراس، حينها تنعكس القاعدة القانونية ويصبح المتهم مجرما حتى تثبت براءته.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"