بقلم : كمال أوزتورك الأربعاء 26-10-2016 الساعة 01:11 ص

داعش الشيعة: الحشد الشعبي

كمال أوزتورك

أخرج أحد الإخوة التركمان في أربيل، هاتفه الجوال وبدأ يعرض علي مقاطع مسجلة من على هاتفه. شعرت كأن قلبي على وشك التوقف. بقر للبطون وقطع لأوصال أشخاص على قيد الحياة. قال لي: "هؤلاء هم الحشد الشعبي". بعيون مليئة بالخوف.

كان الناس يتناقلون مثل تلك الصور لإظهار وحشية تنظيم القاعدة وداعش. في البداية اعتقدت أن ثمة في الأمر مبالغة. لكن وبعد أن تحدثت مع ساسة أكراد وزعماء عرب، وممثلي قبائل وصحفيين، ومواطنين عاديين، عرفت أن كلمة الرعب أصبحت رديفًا لـ "الحشد الشعبي" هناك.

داعش يمثل عنصر الرعب بالنسبة للعالم الغربي، والحشد الشعبي يمثل نفس الوجه الموجه للمسلمين السنة في العراق. ولكن لسبب ما، لا ينبس الغرب ببنت شفة تجاه ذلك التنظيم. فالحشد الشعبي "لم يدمر آثارًا من العهد الروماني ولم يهاجم مواطنين غربيين".

كيف احتل داعش العراق؟

في يونيو 2014 انطلق مسلحو داعش بعدد لا يتجاوز 3 آلاف من سوريا باتجاه تلعفر والموصل بسرعة أذهلت العالم.

أفراد الجيش العراقي تركوا دباباتهم وخوذهم وملابسهم العسكرية، وفروا إلى بغداد.

تمكن داعش من السيطرة على تلعفر والموصل (ثاني أكبر مدينة في العراق يبلغ عدد سكانها أكثر من 2 مليون نسمة)، وسامراء، والرمادي، وتكريت، والأنبار بسهولة. نسي الجميع مسألة مهمة للغاية عند الحديث عن قوة التنظيم وجبروته. كانت تلك المدن ذات غالبية سنية. تسكنها عشائر تركمانية وعربية، وكردية. ضاقت تلك العشائر ذرعًا من السياسات الطائفية التي انتهجها نوري المالكي بعد إطاحة الولايات المتحدة بصدام.

لخص سكان المنطقة سياسات المالكي الطائفية بالقول: "ذهب صدام، فجاءنا ألف صدام". إن تلك السياسات دفعتهم للقول لاحقًا "العيش مع داعش أفضل من العيش تحت نير دكتاتورية شيعية". ما سبق دفعهم للتواصل مع التنظيم.

في الواقع، إن السبب الرئيسي لتمكن داعش من السيطرة على المنطقة كان الممارسات والاضطهاد الذي ارتكبه المالكي وإدارته والجماعات الشيعية الأخرى.

تأسيس الحشد الشعبي

بعد يومٍ من احتلال داعش للمنطقة، أعلن الزعيم الديني الشيعي الأكثر نفوذًا في العراق، السيستاني، "الجهاد" لحماية العتبات والأماكن المقدسة لدى الشيعة. وفي اليوم ذاته، نزل مئات الآلاف من الشيعة الموالين للسيستاني في وقت واحد إلى الشوارع. وفي تلك الأثناء، وجه المرشد ورجل الدين الإيراني خامنئي قوات الحرس الثوري من أجل تنظيم تلك الجموع الغاضبة، والمليئة بالرغبة بالانتقام للحسين والتواقة للقائه. وهكذا ظهر قاسم سليماني في العراق، وأصبحت أسطورته أكبر من حجمه.

فتحت إيران أبواب خزائن أموالها ومخازن أسلحتها على مصاريعها، مغرقًة العشائر هناك بالمال والسلاح. أشرف قاسم سليماني على تقديم التدريب العسكري لتلك العشائر، ومنح الجموع المدربة أسماءً طائفية. "كتائب الإمام علي، وكتائب سيد الشهداء، وعصائب أهل الحق، وألوية علي الأكبر، وسرايا عاشوراء" وغيرها الكثير الكثير. جميع تلك المجموعات أطلقت على نفسها اسم "الحشد الشعبي".

نال هذا الجمع مباركة زعماء دينيين مثل السيستاني، والحكيم، والصدر. هذا الجمع الغاضب العازم على الانتقام والذي نال مباركة الزعماء الدينيين الذين درسوا في إيران، قالت عنهم الولايات المتحدة أنهم "جمع يستحق الاحترام"، ما أضفى عليه شرعية على مستوى العالم.

الخوف من الحشد الشعبي يتمدد

لم ينضم الحشد الشعبي إلى الجيش العراقي. يختلفون عنه بزيه العسكري، والأعلام، والرايات، والشعارات. يتلقى هؤلاء الأوامر من قبل مرجعياتهم الدينية أولا، ثم من المرشد والزعيم الديني الإيراني خامنئي. في الواقع، هم جيش إيران في العراق.

كان الحشد الشعبي في طليعة القوات المتقدمة لانتزاع سامراء والرمادي وتكريت والأنبار من داعش، في إطار العمليات التي تقودها الولايات المتحدة. بعد تلك الأحداث انتشرت شهرة الحشد في كل مكان، سيما أن هذه الميليشيات لا تخاف من الموت، بل تتحرك بشكل أسرع وبفارغ الصبر من أجل القتل.

يسجل أفراد تلك الميليشيات على هواتفهم المحمولة أعمال التعذيب المروعة التي يمارسونها ضد من يدعون أنهم ينتمون لتنظيم داعش من السنة، ثم يشاركون تلك المقاطع في كل مكان بكل فخر. بات العالم الافتراضي بفضل هؤلاء، يعج بمقاطع الذبح والسلخ وقطع أطراف أشخاص وهم على قيد الحياة، وغير ذلك من المقاطع غير الآدمية. ولجعل الأمور أكثر سوءًا، ومع بدء عملية تحرير الموصل، بدأوا ببث مشاهد لأعضاء في تلك الميليشيات يقضمون قططًا وكلابا وغير ذلك من الحيوانات بأسنانهم بصورة رهيبة. الحشد الشعبي، كما فعل داعش تمامًا، نجح في نشر الخوف من خلال هذه الأعمال والمشاهد الوحشية.

جميع هذه المدن التي دخلها الحشد، هي مدنٌ سنّية. ولكن وفجأة بدأت التركيبة السكانية لهذه المدن بالتغيير وازداد عدد السكان من الشيعة فيها. فالسنة إما رضخوا للحشد الشعبي أو أجبروا على مغادرة المكان.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"