بقلم : فتحي أبو الورد الجمعة 28-10-2016 الساعة 01:42 ص

التربية على فضيلتين

فتحي أبو الورد

وقفت على نصيحة يوجهها المهلّب بن أبي صفرة لأبنائه، وقد كان أميرا على البصرة لمصعب بن الزبير. وحارب الخوارج، (ت 83 هـ ) يقول لبنيه ناصحا: يا بنيّ: إذا وقفتم في الأسواق فلا تقفوا إلا على من يبيع السلاح، أو يبيع الكتب.

كلمات قليلة تلخص لنا الجوانب التى ينبغى أن تهتم بها الأمة، وتربى عليها أجيالها المتعاقبة، وهى العلم والقوة بكافة أنواعها، وهكذا كان يوجه القادة الأبناء والرعية، وعلى هذا كان يتربى أبناء الأمة.

كانوا يتربون على فضيلتين، فضيلة الجهاد فى سبيل الله ضد من يعتدى عليهم، وفضيلة الكتاب الذى يرمز إلى العلم، فضيلة الجهاد لعدوهم، وفضيلة العلم للنهضة والتقدم والرقي.

ولتحقيق معاني القوة في النفس يجب أن تأخذها بالعزائم، وتخرجها عن المألوفات، وألا تكون أسير عادة، وأن تفطمها عن الرفاهيات، وتجنبها التوافه، فطبيعة المرحلة التي تعيشها الأمة تقتضى أن يكون هذا كله من ألوان التربية فيها.

ويتطلب هذا أن يتعاطى المرء ما يقويي الجسم، ويصبره على الحر والبرد، والمشاق، وفي هذا ورد الأثر: "علموا أبناءكم السباحة والرماية".

وهاكم حديث بعض الأولين الذين تربوا على القوة فى مدرسة النبوة. قال ابن سيرين: استلقى البراء بن مالك على ظهره ثم ترنم، فقال له أنس بن مالك أخوه: أي أخي، فاستوى جالسا؛ فقال: "أتراني أموت على فراشي وقد قتلت مائة من المشركين مبارزة سوى من شاركت في قتله".

كانت التربية عندهم تعنى الجمع بين رقة الزهاد وجسارة الأسود، وقد قيل في وصف أحدهم: (وأما قوة السّياسة عنده فعظيمة، فلا تغرنكم رقته وابتسامه، فإنّ وراء ذلك صرامة يخضع لها الأسود، وشهامة يحذرها السيّد والمسود.)

هو البحر غصْ فيه إذا كان ساكنا*** على الدّرّ، واحذره إذا كان مزبدا

وأما الكتاب فهو الجليس الّذي لا ينافق، ولا يملّ ولا يعاتبك إذا جفوته، ولا يفشي سرّك، وهو أيضا رمز العلم، أي علم ما دام نافعا ومفيدا للبشرية، وقد جعله فقهاؤنا من فروض الكفاية التي يجب على الأمة أن تفرغ من أبنائها من يكفيها في سائر العلوم التي تحتاج إليها، وتحقق لها القوة والغنية عن الغير، وتأثم إن لم تفعل. ولخص أمير الشعراء هذا في قوله:

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم*** لم يبن ملك على جهل وإقلال .

وقد كانت الأموال وسيلة في حياتهم للإعمار والإصلاح، وتحقيق القوة، والعودة بها على مصالح الرعية، ولم يكتنزوها أو يحتبسوها في خزائنهم ومحابسهم،لأن كنزها يعوق التنيمة ويضر بالمصلحة العامة،فضلا عن سرقتها أو تهريبها لينتفع بها غيرنا، وما قيمة الأموال إن لم تؤد وظيفتها في نهضة المجتمعات وصلاحها؟

وقد قال قائلهم:

إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا *** ظلّت إلى طرق العلياء تستبق

لا يألف الدّرهم المنقوش صرّتنا *** لكن يمرّ عليها وهو منطلق

وقد جعل أبو الطيب المتنبي السرج الذي يقاتل عدوه من فوقه، أو يرحل عليه هروبا من الضيم أو الذل، أعز مكان، وجعل الكتاب خير جليس لأنه يمحو جهله، ويقف من خلاله على أنباء من سبق، وعلم الأولين والمعاصرين ، يقول:

أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح *** وخير جليس في الزّمان كتاب

هذا اللون من التربية هو الذي يبعث في أمتنا القوة بعد الضعف، واليقظة بعد طول ركود، ويحقق لها العزة والمنعة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"