بقلم : كمال أوزتورك الأربعاء 02-11-2016 الساعة 02:05 ص

تركيا وتغيير النموذج الفكري في السياسة الخارجية والأمن

كمال أوزتورك

عندما كنت مشاركًا برفقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (كان وقتها رئيس وزراء) باجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك (2009)، طلبت مجلة التايم، التقاط صورة لأردوغان من أجل استخدامها في مواضيع لاحقًا. نقلت طلبهم لأردغان ووافق.

الصورة الشهيرة في التايم

تقرر أن يكون موعد التصوير في وقت مبكر جدًا من صباح اليوم التالي بسبب جدول الاجتماعات المكثفة. قامت المجلة بتجهيز مكان يشبه الاستوديو في الفندق الذي كنّا نقيم فيه. وصل رئيس الوزراء إلى الاستوديو في ساعة مبكرة حيث التقطوا له الصورة. كان أردوغان في الواقع لم ينم بعد، حيث واصل العمل طوال ساعات الليل وبدا في جميع الصور كما لو أنه غاضب قليلا.

لاحقًا استخدمت التايم الصورة التي التقطتها لأردوغان ضمن مجموعة من "الوجوه الأكثر تأثيرًا" حول العالم. ثم وفي عام 2011 وضعت الصورة على غلافها الذي حمل اسم "طريقة أردوغان". لاحقًا نشر العديد من الصحف والمجلات تلك الصورة ووضعتها جنبًا إلى جنب مع المقالات الناقدة.

أما الموضوع الذي نشرته التايم، فكان يتناول الأسلوب الخاص الذي أسسه أردوغان، وعلاقته بمواضيع مثل العلمانية والديمقراطية وقربه من الغرب وتأثيرات الربيع العربي.

وبعد بدء مرحلة الربيع العربي، أجريت زيارات إلى المنطقة من لبنان إلى المغرب، وصور الرئيس أردوغان ملصقة على الجدران، وفي المنزل قد علقت الأعلام التركية، وفي التلفزيونات شاهدت مسلسلات تركية، وفهمت كما الجميع أن تركيا كانت مصدر إلهام لشعوب الربيع العربي.

وبعد قدوم مرحلة الشتاء العربي، فهمت بشكل أفضل، الأسباب التي وقفت وراء قدومه وخلفيات الكوارث التي ألمت بنا. لاحقًا سأفرد موضوعًا لمناقشة المشاريع المطروحة من أجل إضعاف التأثير التركي وتأثير أردوغان في المنطقة.

أردوغان يغيير الأنماط الفكرية

أعتقد أن بإمكاننا تعريف الشيء الذي يمكن أن نسميه "أسلوب أو مدرسة أردوغان" بشكل واضح أكثر، خلال السنوات القادمة، أي عندما تخمد الأحداث الساخنة في منطقتنا. ومع ذلك، فإن رؤية تأثير أردوغان لا بد أن تكون تجربة تُكسِبُ الإنسان الكثير من الخبرة.

في الوقت الحاضر، نشهد تغييرات يدخلها أردوغان على النموذج الفكري الخاص بالسياسة الخارجية التركية والمفهوم الأمني. في السنوات اللاحقة، ربما يطلق على ذلك الأسلوب الذي يعتمد في تركيا اسم "أسلوب أو مدرسة أردوغان". لكن مما لا شك فيه هو أننا بدأنا بالابتعاد عن النمط التقليدي في إدارة الأمور الخارجية والأمن، وتحولنا إلى مسار مختلف تمامًا.

في كلمة له في وقت سابق من هذا الأسبوع، عرَّف أردوغان النموذج الفكري الجديد قائلا:

"تركيا تخلت من الآن فصاعدًا عن هذا المفهوم الزائف بالأمان، وأنهمت العمل به. اعتبارًا من اليوم لن ننتظر حتى تطرق الأزمات أبوابنا، ولن نصبر حتى يبلغ السيل الزبى... من الآن فصاعدًا، نحن من سيذهب إلى مصادر الأزمات. هل هناك مشكلة إرهاب؟ لن ننتظر مجيء المنظمات الإرهابية لمهاجمتنا، بل سنذهب نحن إلى معاقلهم حيث وجدت وسنقضي عليهم هناك.

إنهم يريدون أن تجلس تركيا جانبًا، وأن تبقى مراقبًا لما يحدث، ثم أن تدفع حصتها التي ستُملى عليها من التكاليف... نحن نريد أن نكون في المكان الذي ينبغي أن نكون فيه لحماية منطقتنا واستقلالنا ومستقبلنا. إن ذلك الموقع حاليًا اسمه الموصل. لذا ينبغي علينا التواجد هناك. ميدانيًا وعلى طاولة المفاوضات".

إن هذه الكلمات تضع تعريفًا واضحًا للنموذج الفكري الجديد، المعمول به في الواقع منذ فترة، في مجالي سياسة تركيا الخارجية والأمنية.

رؤية أحد السفراء

أعتقد أن بيت القصيد يكمن في التواجد بالميدان وعلى الطاولة وامتلاك قدرة التأثير على اللعبة. أثناء زيارة رسمية إلى المغرب (2004)، التقيت هناك بأحد السفراء الأتراك الذي قال لي أثناء تبادلنا لأطراف الحديث: "الدبلوماسية هي مثل لعبة الشطرنج. يجب عليكم أن تكونوا قادرين على استخدام كل الأحجار في اللعبة. نحن الآن نقول للقلعة (للعسكر) تحركي، لكنها تقول لنا "لا"، نقول للفيل (الاستخبارات) امش، يقول لنا "لا"، ونقول للحصان (الاقتصاد) اقفز فيقول لنا "لا استطيع"، ثم ينتظرون منّا (الدبلوماسية) أن نحرز فوزًا في طاولات المفاوضات.

بدأت تركيا في إطار النموذج الفكري الجديد للدبلوماسية، باستخدام أدوات القوة الناعمة إلى جانب الجيش والاستخبارات والاقتصاد وغيرها. ففي الوقت الذي تتمركز فيه القوات العسكرية في بعشيقة، والاستخبارات في أربيل، يجري الدبلوماسيون المفاوضات اللازمة في بغداد وواشنطن.

وكما كتبت مجلة تايم، إن "أسلوب أردوغان في فهم السياسة الخارجية والأمن، سيؤثر بشكل كبير على مستقبل تركيا والمنطقة".

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"