بقلم : فتحي أبو الورد الجمعة 11-11-2016 الساعة 01:33 ص

الأب

فتحي أبو الورد

في كلمات موجزة أصابت كبد الحقيقة والواقع، جاء التعبير عن الأمان عند إحدى الطالبات كالتالي: يسألونك عن الأمان؟ قل: هو حذاء أبي عند الباب.

وصف دقيق، وشعور تلقائي، يجسدان الأمان في حياة الإنسان، فالأب يمثل السند والقوة في حياة الأسرة، ويمثل الأمان في حياة الأبناء، حتى إن الإسلام يعتبر الابن يتيما بعد وفاة الأب إلى أن يبلغ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يتم بعد احتلام ". وقد يطلق عليه مجازا بعد البلوغ، كما كانوا يسمون النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو كبير: يتيم أبي طالب، لأنه رباه بعد موت أبيه، أما البنت فتظل يتيمة حتى تتزوج وليس مجرد البلوغ.

وعن زوال وصف اليتم عن الابن بعد البلوغ أتوقف قليلا، فقد كان الأيتام وقتذاك يؤهلون لممارسة حياتهم والعمل بعد البلوغ بل والزواج وتكوين أسرة، والاعتماد على النفس، وأراني مشفقا في زماننا على فتيان في سن الخامسة عشرة إلى ما بعد العشرين بيسير ممن فقدوا آباءهم، وهم في بداية المرحلة الثانوية إلى نهاية الجامعية حتى يؤهلوا للعمل حسبما تقضي ظروف التعليم، فماذا عساهم أن يفعلوا في خضم أمواج الحياة المعاصرة؟ وهم في قمة الاحتياج المادي والمعنوي إلى الأب الذي يرعاهم ويشملهم بعطفه ورعايته وتوجيهه، ويشعرهم بالأمن والأمان في ظل حياة قاسية، ومجتمعات بائسة، أشفق على هؤلاء الفتيان فأراهم أيتاما حقيقة ومجازا، بل إن صعوبة الحياة وقسوة المجتمعات جعلت الفتيان أيتاما في وجود آبائهم العاجزين بجوارهم.

والأب هو القائم بأمور أبنائه من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وتوجيه قياما ماديا ومعنويا، ومن ثم ففقده يمثل قاصمة لظهر الأبناء في ظل مجتمعات شردت عن تعاليم الإسلام، وندت عن مكارم الأخلاق، فزادت من معاناة الفاقدين لآبائهم، وجمعت بين قسوة الحياة وقسوة حرمان دفء الأب وعاطفته.

ومما قرأته في معاني فقدان الأب أنك تخسر الجدار الذي تستند إليه، وتفقد السماء التي تجود بنبع الحب والحنان، وتفقد المظلة التي تحميك من الشرور، وتبقى وحيدًا في مواجهة العالم، وتشعر بالوحدة، وتفقد من يمد يده ليساعدك دون أن تطلب، حتى لو مدت إليك ألف يدٍ فإنها لا تغني عن يد والدك.

وعرفت أن في بلجيكا يسود هذا المثل: فقد الأم يعني فقد اللطف والحنان، وفقد الأب يعني فقد العز والشرف.

تحية لإحدى النساء التي استحكم الخلاف بينها وبين زوجها حتى وصل الأمر عند حافة الطلاق والفراق، فلما تأملت ونظرت لابنها أنه سيعيش منكسرا، وكأنه يتيم رغم وجود أبيه على قيد الحياة، لما تأملت ذلك آثرت أن تبقى لابنها أمان والده، ورجعت عن فكرة الطلاق.

راقت لي هذه العبارات عن الأب:

الأب: رجل لن يتكرر في الحياة أبدًا، ولا يٌغني عن غيابه أي أحد، ولا حتى الولد. الأب معطف أمان في ليالي العمر.

ســـأنظم الشـــــــعرَ عِرفانًا بفضلك يـا

مَن عشــــــــتَ دهرَك تجني الهمَّ والنّصَــبا

سأنظم الشــــــــــعر مدحًا فيكَ منطلِـقًا

يجاوز البدرَ والأفــــــــــلاكَ والشّـــــــهُبـا

إلى كل أب: لا تكن قاسيًا على أولادك كفاهم قسوة الحياة، "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك".

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"