بقلم : د. محمد مصطفى علوش السبت 12-11-2016 الساعة 12:29 ص

الحراكات الشعبية وحصاد ستّ سنوات

د. محمد مصطفى علوش

ستّ سنوات أوشكت على الأفول بعد انطلاق شرارة الانتفاضات التي عمّت عددا من الدول العربية، يومها أطلق الأمريكيون على الحراكات الشعبية مصطلح "الربيع العربي". تلقف المؤمنون بالتغيير وأغلبهم من الشباب الصاعد المصطلح، وراهنوا أن براعم النهضة العربية هي في طور التفتح، فسنوات الانحطاط والتراجع والتخلف والظلم والاستبداد وانسداد الأفق السياسي ستذهب إلى غير رجعة بعد أن صدحت حناجر المتدفقين الغاضبين في الشوارع والميادين:"الشعب يريد تغيير النظام"، ذاك الشعار الذي تحول إلى سلاح في يد الحالمين بالتغيير ولحن يغنى في كل شارع وزقاق. مضت السنوات الستّ فماذا كانت حصيلة هذه الانتفاضات؟ هل تغيرت أنظمة الحكم فعليًا؟ هل انطلقت ورشات التعمير؟ هل استوطنت في تربتنا "العدالة الاجتماعية"؟ هل انتهى عصر الفساد والكساد وحلّ الرخاء والهناء؟ هل أصبح الشباب شركاء وفاعلين في رسم مستقبل بلدانهم؟ لا أظن أن أحدًا يوافق أن أمرا من ذلك قد تحقق، في حين أننا نشهد حروبا في اليمن وسوريا وليبيا وتصدعات هائلة في بنية الدولة وعجزًا إداريا وماليًا في دول كانت تنعم بالرخاء والأمان. قوى الفساد في بعض الدول تحايلت على الغضب الشعبي بهدف تهدئته قبل ضربه ببعضه البعض. وفي دول أخرى روجت لفزّاعة الإرهاب التي تحولت من نكتة سمجة ثقيلة إلى حقيقة ماثلة للعيان، يتكلم بشأنها الشرق والغرب. وفي بعض البلدان استغلت منظومات الفساد مؤسسات الدولة وأدواتها لنشب أنيابها في جسد كل من يحاول أن يطالبها بالتنحي. وقد انتهى المطاف في لعبة التصارع بين الشباب الساذج الحالم المؤمن بضرورة التغيير وبين طبقات نافذة ومستفيدة أن تدمر المعبد على من فيه. وقد تعرّت النخب التي أظهرت ساديّة لا تقلّ عن ساديّة من يمارس القمع والتهويل والاغتيال المعنوي لكل من حاول أن ينتزع حقه في العيش بكرامة أو المشاركة في بناء مجتمع أكثر عدالة. كما تعرّت بعض من المكوّنات المجتمعية التي خافت على هويتها الخصوصية أو أوهمت بذلك فآثرت القمع والاستبداد على القفز فيما تراه مجهولًا. وهكذا بعد هذه السنوات الطوال، لا حلّ الربيع المنتظر، ولا ذهب الشتاء الدامي، وما تبقى من أمل في مستقبل واعد راح يتلاشى رويدًا رويدًا مع كل طفل يقتل، وشاب يهاجر، وعائلة تتفكك. لا تُعرف حجم الخسائر على اختلاف أنواعها، ولم تُعدّ دراسات وافية وأمينة حول تلك الخسائر رغم هول التحولات التي تعيشها المنطقة باستثناء الدراسة التي نشرتها اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "إيسكوا" المنظمة التابعة للأمم المتحدة حول الخسائر الاقتصادية فقط. ففي تقريرها الصادر مؤخرًا قدرت "إيسكوا" حجم الخسائر في منطقة الشرق الأوسط بـ614 مليار دولار منذ عام 2011،

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"