بقلم : كمال أوزتورك الأربعاء 23-11-2016 الساعة 01:56 ص

ماذا يحدث في أوروبا؟

كمال أوزتورك

يقرءون الأزمة التي نعيشها مع أوروبا انطلاقًا من المكان الخطأ. المسألة ليس كما نعتقد بأنها ذات صلة بداعش والإرهاب، أو أنها ردود فعل على المهاجرين. في الواقع إن أوروبا تشهد هزة عنيفة وعميقة، كما أن التوتر الناتج عن تلك الهزة ينعكس على علاقاتها مع دول العالم الإسلامي، بما في ذلك تركيا. الوضع معقد لكنّي متأكد من أنكم ستفهمون ما أقصد.

هل القضية هي تركيا أم ثمّة شيء آخر؟

في الواقع، إن الأزمة التي يعيشون في خضمها، هي انعكاس لسخط ضد الغرب تراكم على مر السنين. إن السخط كان على الخطوط الرئيسية للحضارة الغربية: مثل العولمة والرأسمالية، الحداثة، واستعمار ما بعد الحداثة، والتعددية الثقافية، وتقاسم الإيرادات والتمويل والتجارة العالمية... إن الغرب يتصارع في الواقع مع مشاكل كبرى.

في البداية، تذرعوا خلال مرحلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت) بأن "الأتراك سيدخلون الاتحاد، وأن العمال البولنديين سوف يسلبون الإنجليز عملهم، وأن اللاجئين سيحتلون كل ركن في البلاد، وأن ذلك سيصاحبه انتشار داعش". اعتقد الجميع وقتها بأن الرهاب الإسلامي (الإسلاموفوبيا) والعنصرية وكراهية الأجانب بدأت بالتزايد لذلك السبب.

ومع ذلك، فإن ذلك ليس صحيحًا. فردود الفعل تلك ظهرت في الولايات المتحدة خلال الانتخابات الرئاسية بشكل أكثر حدّة من بريطانيا، وأثيرت خلال الانتخابات وبعدها قضايا مثل المهاجرين، والإسلاموفوبيا، وكراهية الأجانب. لكن كل ما جرى كان عبارة عن نتائج. أما الأسباب فهي عميقة وباتت معروفة.

هناك هزّة تضرب جذور الحضارة الغربية

العولمة الغربية بدأت تتقوقع حول نفسها نتيجة السخط العميق الذي تواجهه. فالعالم مؤمن أن القضايا التي يكابد بسببها مثل البطالة، والفقر، والإرهاب، والفوضى، هي بسبب العولمة والرأسمالية الجائرة. وأن سبب تدفق اللاجئين من أفريقيا والشرق الأوسط، أمريكا اللاتينية، يعود لاستغلال الغرب أساسًا دول تلك المناطق، واستعمارها، ونهب خيراتها.

الغرب اليوم بدأ يشهد جملة تيارات فكرية، بدأت تتساءل عن سبب وجود بلدانهم في الشرق الأوسط، وآسيا وأمريكا اللاتينية، والأموال التي تدفع لصالح إبقاء ذلك الوجود. تقول تلك الاعتراضات، إن تكاليف ونفقات حاملة طائرات أمريكية موجودة في آسيا، قادرة على إنقاذ شرائح "متخلف" داخل المجتمع الأبيض من الفقر وانتشالهم من البطالة.

لم يعد من الممكن الاستمرار بالنموذج التقليدي لسلوك الحضارة الغربية، المرتكز على "كسب المزيد دائمًا، والسيطرة على كل شيء"، فالنظام بالمحصلة يدفع التكلفة بشكل أو بآخر.

طمع الغرب يطلق النار على نفسه

إن الاستعمار والاستغلال الذي وقع في الجزائر، وسريلانكا، ورواندا، أظهر تأثيره في لندن وباريس ونيويورك. إن ما حدث يتوافق مع منظومة النظام البيئي. إن هذا التأثير يتجلى على شكل هجمات إرهابية في باريس بعض الأحيان، وأحيانًا على شكل بريكسيت في بريطانيا، وأحيانًا بانتخاب ترامب في أمريكا. لكن السبب هو نفسه: العولمة التي تخلط كل الأوراق، والرأسمالية المتوحشة، والإفراط في الإنتاج وما ينتج عنه من أزمات اقتصادية، والتفاوت في توزيع الدخل، والبنية الاجتماعية المتشظية...

لم تجرَ أبحاث علمية دقيقة حول الأسباب العميقة لهذه التفاعلات، لكن هناك أبحاثا لتحديد مركز الهزة التي أفرزت ترامب وبريكسيت، سيما أن الكل مدركٌ حقيقة أن مركز الهزة أعمق بكثير من قضية اللاجئين.

كيف تؤثر الموجة الجديدة الناشئة في أوروبا على العالم الإسلامي؟

بسبب ما سبق، يسعى الساسة الأوروبيون لكسب شعبية من خلال ضرب الأجانب، واللاجئين، والإسلام. وهو ما ينجحون فيه حاليًا. إلا أن البعض في تركيا يكوِّنون قراءة خاطئة عمّا يحدث في أوروبا. يعتبرون ما يجري أنه مشاكل داخلية فحسب، ويلقون باللائمة كالعادة على تركيا. إن أولئك الذين يعتقدون أن القضية هي عبارة عن صحيفة "جمهوريت" وحزب "الشعب الجمهوري" مخطئون تمامًا.

نعم، بالطبع لدينا مشاكل. نعم، لدينا نواقص. ومع ذلك، فإن ذلك لا يبرر المواقف الأوروبية المتزمتة والبعيدة عن الموضوعية تجاه تركيا. لو حاول الجيش في فرنسا القيام بانقلاب عسكري، هل سيكون تعامل بريطانيا وألمانيا مع فرنسا كتعاملهما مع تركيا بعد الانقلاب؟.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"