بقلم : توفيق المديني الجمعة 25-11-2016 الساعة 12:30 ص

الحكم الصالح يتطلب قضاءً نزيهًا ومحايدًا

توفيق المديني

يعتبر الإعلام و النفاذ إلى المعلومة و الخبر عنصرين لا محيد عنهما في البناء الديمقراطي، و بالنظر إلى أن الإعلام يشكل حلقة هامة في السهر على حماية الحقوق و الحريات و إحدى الآليات الضرورية لتغذية الوعي و ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان و مبادىء الديمقراطية،بات من الضروري أن يتوخى الإعلام استراتيجية ضاغطة وناجعة من أجل تثبيت الحكم الصالح في مؤسسات الدولة التونسية .

التأكيد على هذه المسألة الأساسية يأتي في سياق ردّ فعل القضاة التونسيين العنيف ، من خلال البيان الذي أصدره المكتب التنفيذي لجمعية القضاة ،الأسبوع الماضي،و شدّد فيه على «رفضه لهذه الانحرافات الخطيرة من قبل بعض الأحزاب وبعض نواب البرلمان، وبعض الإعلاميين الذين أفسحوا في المجال لانتصاب المحاكمات الإعلامية وللتوظيف السياسي لهذه القضية(الحكم في قضية مقتل لطفي نقض) ضد استقلال القضاء، من دون أدنى احترام لمبادئ الحيادية بتمكين الطرف القضائي من الحضور والرد والتوضيح».

ويشكل استهداف الإعلاميين و الصحافيين من جانب القضاة موقفًا سهلاً، لأنهم يشكلون الطرف الأضعف في المشهد السياسي التونسي، فالقضاة لم ينتقدوا موقف رئيس الحكومة يوسف الشاهد، في خطابه أمام البرلمان يوم 18نوفمبر الجاري،والذي اعتبر فيه ،أن لطفي نقض هو شهيد كل التونسيين، ما يعني أنه قُتِل ولم يمت طبيعياً كما أقرّ الحكم الابتدائي في مدينة سوسة .ويشكل ذلك موقفاً سياسيًاواضحًا لا لبس فيه، واصطفافًا حزبيًا باعتبار أن الشاهد ينتمي إلى حزب «نداء تونس».

رغم أن الدستور التونسي في ظل الديمقراطية الدائمة يتزين بمقدمات تتضمن نصوصًا و أحكامًا تعظِّم الحرية والمساواة و العدالة، وتؤكد ضمان الحقوق الشخصية والحريات العامة، وتتحدث عن الفصل بين السلطات ،واستقلال القضاء،وتحرص على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطن،وتلحظ وجود المؤسسات الضامنة للحقوق و الحريات،فإن واقع الممارسة مغاير تماما لما تتضمنه هذه النصوص والأحكام، بدليل أن تونس خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي وما بعدها،لا تزال تعيش في ظل هوة واسعة بين النص الدستوري و تطبيقه،وبين وجود القاعدة القانونية والالتزام بها. ويظهر هذا التناقض حجم المأساة التي تعيشها تونس،بسبب عجز الحكومات المتعاقبة بعد الثورة عن الكشف عن القتلة الحقيقيين للاغتيالات السياسية التي طالت رموز المعارضة.

لا شك في أن مسألة تحقيق استقلال القضاء، تتطلب من الأحزاب السياسية الحاكمة فيما يسمى ب«الديمقراطية التوافقية» أن تمتلك إرادة التغيير،أي الإرادة السياسية الجامعة والقادرة والراغبة في إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية،أي بناء دولة القانون و المؤسسات.فمثل هذه الإرادة السياسية غير متوافرة لدى الأحزاب التي تتشكل منها الحكومة ، بدليل عجزها عن كشف القتلة ،وعجزها أيضا عن محاربة الفساد ،لأن المال السياسي الفاسد هو الذي أوصلها إلى السلطة، ولهذا لا تشعر بأي انتماء لدولة القانون ،ولاحترام الفصل بين السلطات، و لتحقيق استقلال القضاء بصورة فعلية. فهذه الأحزاب تتعاطى مع منطق الدولة وفق رؤيتها الخاصة القائمة على الدولة الغنائمية ،ما دامت تعتبرالمناصب الوزارية العامة طريقًا إلى الثروة والنفوذ، ومادام الشأن العام ،والمصلحة العامة، والخدمة العامة، مغيبًا أو منتقصًا،لحساب مصالح سياسية فئوية حزبية وجهوية وطائفية ، وطبقية رأسمالية طفيلية، مادامت هذه المظلات تشكل شبكة أمان و حماية تحصن القتلة والفاسدين ، وتحميهم ، وتجعلهم بمنأى من المساءلة والمحاسبة وتسليط العقوبات عليهم ،وهو الأمرالذي يعزز في المواطن التونسي روح التشكيك في نزاهة القضاء، وفي عدم استقلالية القضاء،واستقلالية القضاة.

ورغم مرور خمس سنوات من إنجاز الثورة، فإنّ الشعب التونسي لايزال يعيش في ظل دولة غنائمية عاجزة عن محاربة الفساد،و القيام بالإصلاحات المرتبطة بمفاهيم ومعاييرالحكم الصالح ومنها: معنى الدولة الديمقراطية، ومفهوم الخدمة العامة و المواطنة، والشأن العام، وأخلاقيات الوظيفة، والثقافة الديمقراطية، ومفهوم دولة القانون والفصل بين السلطات ،وبالتالي استقلال القضاء.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"