بقلم : د. محمد مصطفى علوش السبت 26-11-2016 الساعة 01:08 ص

من أسباب مآسي العرب

د. محمد مصطفى علوش

يدا رويدا تغرق المجتمعات العربية في دوامة التسلط والعنف والتهجير والتفكك الأسري والنزعات العرقية والمذهبية. وقد طال الأمد، وضعف الأمل في الخروج الباكر من هذا الحال، وأضحى السؤال: من أين أتت المشكلة؟ بنظرة فاحصة إلى بعض المقررات في المناهج التعليمية السائدة في العالم العربي نجد فيها أثر المفاهيم المستوردة من قريحة الفلسفات التربوية الغربية القائمة على تصور خاص للدين، وعلى المفاضلة في العروق بين المجتمعات، وعلى نظام الطبقات داخل المجتمع الواحد، وعلى قيمة النفع المادي بين الأفراد.

فمادّة الدين الإسلامي، على سبيل المثال، تقدم كمادة أخلاقية تعبد ية صرفة. وتهدف مساقاتها إلى إنتاج مواطن مطيع للقانون، راض بما قسم الله له من نصيب وفق حكمة رائجة "القناعة كنز لا يفني". وقد أضيف لها في السنوات الأخيرة دروسًا مرتبطة بالتسامح والعفو ونبذ الإرهاب والتطرف، وتقدير نعمة الأمن والاستقرار، ورفض كل ما يحرض على العصيان المدني أو التأطر في جماعات وأحزاب معارضة، مع حذف أو اختصار أو تحوير أو إعادة تفسير لمجالات كانت تدرس فيها مثل قضايا الجهاد والفتوحات والعلاقة مع غير المسلمين. ولم يعد للدين شأن في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أوكلت معالجتها إلى السلطة حصرًا. وبهذا أضحى الدين مفصولًا عن المجتمع وقضاياه ومشاكله. وأما مادة اللغة العربية فقد غلّفت بالقالب القومي تأثرًا بالمشاعر القومية السائدة في القوميات الغربية. وقدمت في إطار أيديولوجي أجوف وعقيم، بعيدًا عن دورها في حضور الإسلام وانتشاره، ودون أن يُحدث تعليمها رافعة لتعريب العلوم والمعارف في المناهج التربوية. بل كانت تقدم كمادة قومية تضاف إلى ترسانة من التمايزات المتوهمة الجاهزة بعيدًا عن الموضوعية لأداء وظيفية سياسية وإيديولوجية.

وليس الحال بأفضل مع المواد التي تُصنّف ضمن مجال العلوم الإنسانية، بما فيها مادة التاريخ التي تبرز الخلافات والصراعات في التاريخ الإسلامي وتضخمها وتقدمها بقالب مختل، أصبح المتعلم لا يرى من تاريخه إلا صورة مظلمة. وأما تاريخ الأمة الحديث فلا يسلط الضوء فيه إلا على الانتصارات الزائفة. وإذا ما تحدث عن مثالب الاستعمار الأوروبي فإنه يشفعه بالحديث عن التحديث الذي أوجده المستعمِر في الدولة المستعمَرة وعن التقدم والرقي والشخصيات البارزة ذات الإنجازات العلمية والفكرية في الحواضر الغربية. وهو ما يوحي للمتعلم بالإعجاب وتغليب السماح والغفران على الرغبة بالثأر أو المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي ألحقها الاستعمار ببلاده ومقدراتها. هذا الفصام النكد بين ثقافة اجتماعية يعيشها الناشئ في بيته وأهله ومسجده وبين ما يتلقاه من تعليم في مدرسته، أحدث صراعًا داخليًا في نفسيته وسهل له عملية تقبل التناقض بين النظرية والواقع، وبين الخرافة والعلم حتى إذا ما شبّ وبدأ بتكوين شخصيته الخاصة أضحى فريسة للأيديولوجيات المتطرفة من قومية ودينية وتغريبية. وما نشهده اليوم من موجات غير مسبوقة من العنف الديني والمذهبي في أغلب الدول العربية، يعود إلى الفشل الذريع لمناهج التربية والتعليم في العالم العربي في تأسيس أجيال فاعلة وناجحة ومندمجة في مجتمعاتها، وإلى سلبيات تلك المناهج المستوردة في تعزيز الصراعات والحروب والنزعات القومية من أجل البقاء أو فرض الأيديولوجيات المطروحة من ناحية. وإلى عجز مؤسساتنا الدينية والمؤسسات التربوية غير الرسمية وغير النظامية في ردم الهوّة الثقافية أو التقليل من حدة الاغتراب أو تحصين الأجيال الناشئة من إفرازات المادّية السائدة فكريًا ومنظومة الاستبداد السياسي والفكري والاقتصادي القائمة اليوم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"