بقلم : د. محمد نور الدين السبت 26-11-2016 الساعة 01:10 ص

خيارت تركيا الحضارية

د. محمد نور الدين

لا يختلف اثنان على أن تركيا تعاني من قلق عميق في تحديد هويتها. مجرد العودة إلى خطاب الهوية الذي سبق العهد الجمهوري أي الهوية العثمانية لن يحل مشكلة خياراتها الحضارية. فتركيا عانت منذ منتصف القرن التاسع عشر من أمراض فتكت في جسدها فلم تقو على الصمود لاحقا أكثر من نصف قرن انتهت إلى انهيارها في نهاية الحرب العالمية الأولى. ورغم أن الانهيار حصل على أيدي القوى الغربية ولاسيَّما فرنسا وبريطانيا، فإن خياراتها الحضارية بعد ذلك أخذت بعين الاعتبار المعايير الحضارية الغالبة والمتقدمة فكانت الحضارة الغربية في رأس أهداف مصطفى كمال أتاتورك بإعلانه الجمهورية عام 1923 ومن ثم اعتماد القانون المدني السويسري والعلمنة.

ولم تتبدل هذه الأولويات بعد الحرب العالمية الثانية.بل إنه بعدما كانت تركيا خارج الاصطفافات السياسية الدولية، استكملت انحيازها الحضاري بانحياز سياسي واقتصادي وعسكري تمثل في الانضمام إلى المجلس الأوروبي عام 1949 وإلى حلف شمال الأطلسي عام 1952 ومن ثم طلب العضوية في السوق الأوروبية المشتركة عام 1963 والتي أصبحت اليوم الاتحاد الأوروبي.وفي كل سلوكها الخارجي كانت تركيا جزءا من السياسات الغربية.

لم تتغير كثيرا هذه القواعد في سياسات تركيا الحضارية والخارجية مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 بل إنها زادت من جرعة الاقتراب من أوروبا حتى العام 2005 قبل أن تنهار المفاوضات وإن لم يعلن عن قطعها نهائيا.كما إن تركيا اعتبرت حدودها حدود حلف شمال الأطلسي في مواجهة المخاطر الأمنية التي سببتها الحرب في سوريا والعراق. مع ذلك فإن عهد حزب العدالة والتنمية شهد أيضا ظهور خيارات حضارية واقتصادية وسياسية وربما عسكرية تطرح للمرة الأولى بشكل علني وعلى أعلى مستوى.من ذلك الاقتراب من جامعة الدول العربية التي أصبحت عضوا مراقبا فيها.

خيار منظمة شنغهاي يمثل بديلا جديا في حال لو كان هناك قرار جدي في تركيا لتغيير بوصلة هويتها الحضارية والأمنية والاقتصادية.

فهذه المنظمة التي تضم اثنتين من الدول العظمى في العالم هما الصين وروسيا إضافة إلى كازاخستان وطاجكستان وأوزبكستان وقرغستان، تمثل ثقلا آسيويا وعالميا متزايدا خصوصا أن الصين هي القوة الاقتصادية الأولى في العالم والتي تسبق حتى الولايات المتحدة.

لكن تركيا بالتلميح للانضمام إلى منظمة شنغهاي لا تفعل سوى التلويح للغرب بورقة ضغط تخفف من الانتقادات الغربية لها في مجال الحريات وقضايا اللاجئين. ثم إن المنظمة نفسها لا تقبل في صفوفها عضوا في الوقت نفسه في حلف شمال الأطلسي.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"