بقلم : توفيق المديني الجمعة 09-12-2016 الساعة 12:22 ص

تسوية بين الحكومة و الاتحادفي تونس

توفيق المديني

بعد أن أعلنت الهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل (وهو أكبر منظمة اجتماعية –نقابية في تونس)الإضراب العام في الوظيفة العمومية يوم الخميس 8ديسمبر الجاري، وهو حق يضمنه الدستورو تنظمه القوانين ومعمول به في كل الدول، شهدت الأيام الأخيرة تحركات غير مسبوقة تخللتها لقاءات بين أطراف عدة جمعت رئيس الجمهورية التونسية السيد الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد،ورئيس مجلس نواب الشعب السيد محمد الناصر،بأمين عام اتحاد الشغل السيد الحسين العباسي ، إلى جانب لقاء بين المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف، حيث أثمرت كل هذه الجهود عن التوصل إلى إبرام الاتفاق بين الحكومة والاتحاد، يجنب البلاد الإضراب العام ، ويحقق جزءًا من مطالب الشغالين.

وينص الاتفاق على صرف الزيادات في الأجور بداية من شهر يناير القادم وحتى شهر يونيو2017،ثم يتم صرفها في شهر ديسمبر القادم ،إضافة إلى الاتفاق على صرف منح رجال التعليم بصفة عاجلة وبانعكاس مالي يقدر بـ60 مليارا ،وصرف المنح المالية لإطارات الشؤون الدينية والقيمين. كما ينص الاتفاق على مراجعة قاعدة الأداء على الأجور مما سيمكن الأُجراء والموظفين من الزيادة في مداخيلهم.

وتعتبر هذه التسوية بين الحكومة و أهم منظمة نقابية عمالية في تونس، إيجابية جدًّا للطرفين .فبقدر ما يمثل «الإضراب العام» سواء في قطاع الدولة أو في القطاع الخاص، خيار الاتحاد العام التونسي للشغل للدفاع عن مصالح العمال و الموظفين ،في ما يتعلق بالزيادة في الأجور، وذلك أمام الارتفاع الصاروخي لأسعار مختلف المواد في الفترة الأخيرة والذي لم يقابله أي تحرك من الدولة للحد ِّ منه، وأية رغبة من منتجي ومصنعي المواد والسلع الاستهلاكية للكفِّ عن الزيادات اليومية في أسعار سلعهم، بقدر ما ينظر إليه شق آخر من التونسيين على أنه سيُلحق في رأيهم أضرارا كبيرة بالاقتصاد الوطني نظرًا لما يمكن أن تبلغه تكاليف يوم عمل ضائع بالنسبة للدولة (الوظيفة العمومية) وللمؤسسات الخاصة من حيث فرص الصفقات والعقود والأرباح التي قد تضيع يومها بسبب عدم إتمام إجراءاتها في الآجال المحددة..

من الناحية التاريخية ، كانت الدعوة إلى الإضراب العام من جانب الاتحاد العام التونسي للشغل ، ناجمة عن تفاقم الصراع و احتدامه بين الحكومة و المنظمة النقابية، على غرار ما حصل مع اشتداد الإضرابات العمالية و اتساع عمقها و شمولها خلال أزمة 1977، حين دخل الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تقوده المصالح المباشرة و العملية للعمال ، في مرحلة صراع مكشوف مع الجناح البيروقراطي المتصلب في الحزب والدولة ،لا سيما في ظل تبلور تيار وطني ديمقراطي قاعدي داخل النقابات ، فرض على الحبيب عاشور تنازلات تمثلت في تقديم استقالته من الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، وطرح موضوع استقلالية الاتحاد العام التونسي للشغل عن وصاية و هيمنة الحزب الاشتراكي الدستوري- الحريات الديمقراطية- و تحقيق العفو التشريعي العام..وقد اختار عاشور خيار المواجهة ، مما قاد إلى إعلان الإضراب العام يوم 26 يناير 1978، الذي تحول إلى انتفاضة شعبية تجاوزت تقديرات وحسابات كل الأطراف السياسية، وشكلت منعطفاً مهماً في الصراع السياسي والنقابي ، باضطلاع الاتحاد العام التونسي للشغل دور الحزب السياسي الطليعي في تونس، في خوض معركة الديمقراطية ، و استقلالية النقابات.

وضعية تونس اليوم مختلفة تمامًا، فالنظام القائم يعتبر ديمقراطيًا، والحكومة منتخبة وتمارس الحوار مع مختلف الأطراف الاجتماعية، لكن واقع البلاد يبدو هشًا اقتصاديًاوأمنيًا وعرضة للضغوطات الدولية ، الأمر الذي يتطلب تنازلات متبادلة من مختلف الأطراف إلى حين تجاوز الفترة الصعبة. ورغم التوتُّر الموجود في علاقة الاتحاد العام التونسي للشغل بالحكومة ، فإن الأمين العام للاتحاد الحسين العباسي اتسم في حواره مع السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية بقدر من رباطة الجأش والحكمة من أجل التوصل إلى هذه التسوية المرضية التي تُنهي الخلافات القائمة حول ملف الزيادة في الأجور للسنة القادمة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"