بقلم : د. محمد مصطفى علوش السبت 10-12-2016 الساعة 12:49 ص

الوعي السياسي عند الشباب بات ضرورة

د. محمد مصطفى علوش

تزاد أهمية وجود الوعي السياسي عند الشباب العربي يوما بعد يوم. فالمتغيرات والتحولات السريعة والتحديات التي واجهت الأمة العربية منذ انطلاق ما يعرف بالثورات العربية التي طالت كل أركان المجتمع العربي ومزقت نسيجه في بعض البلدان، وعدم وجود عدد كاف من وسائل الإعلام الموضوعية والمسؤولة بشكل تقدر معه على تغطية الأحداث وتحليلها للمتلقي أو ملء الفراغ التوعوي الذي تخلفه يوميا المؤسسات التعليمية ودور العبادة وما دونها، وما تتعرض له مؤسسات المجتمع المدني من ضغوط سياسية مستمرة لجرفها عن أهدافها وتحويلها إلى أذرع يعتمد عليها في حلبة الصراع المفتوح بين القوى السياسية المتنازعة على السلطة. كل هذه الأمور تجعل الحاجة أكثر إلحاحًا لتكوين جيل عربي جديد يملك من الوعي السياسي قدرًا يساعده في التغلب على العقبات التي يعجز عن رفعها جيل شبابنا اليوم. ويقيني لو كان الشباب العربي في مصر على قدر كاف من الوعي السياسي لما سمح لثورة 25 يناير أن تجهض، ولما سمح أيضًا للتطرف الذي يحاول ملء الفراغ السياسي في مصر، بالتكون أصلًا. لقد كان في استطاعته الحدّ من تغول الدولة على الحريات العامة والخاصة لو كان مستعدًا لأخذ زمام المبادرة. وما يقال في الحالة المصرية يقال في الحالات العربية الأخرى.

ونقصد بالوعي السياسي هو ذاك الوعي الذي يتظهّر بوجود شخصية سياسية مستقلة للشاب تحثّه على الاندفاع نحو المجتمع، متفاعلا مع قضاياه بشكل إيجابي، وصولا إلى العمل ضمن الأنساق الجماعية لقوى المجتمع.

ومصادر تكوين الوعي السياسي عديدة في عالمنا اليوم، وهي باختصار البيت، والمؤسسات التربوية العامة والخاصة، ومؤسسات المجتمع المدني، وجماعات الرفاق، ودور العبادة، ووسائل الإعلام التقليدي والجديد، والقراءة والخبرة الخاصة للفرد.

وتحصيل المعرفة بالقضايا السياسية المحلية والإقليمية والدولية ليست بالضرورة تفضي إلى تشكيل الوعي السياسي، فضلا عن نضوجه. فالحال عسير، في ظل تنافس الأيديولوجيات السياسية على اختلاف أنواعها وتوجهاتها ودرجات تشددها على استعمال نفس الوسائل والأساليب لمحاصرة المرء أينما حلّ وكيفما اتجه. وقد لا تتركه قبل أن تفترس عقله، وتسلبه القدرة على التفكير المستقل بعيدا عن أدبياتها ومنطلقاتها. وما التناحر الذي نصادفه غالبًا على مواقع التواصل الاجتماعي بين فئات شبابية، يصل حد السباب والشتائم والتخوين والتهديد إلا مؤشر بالغ الوضوح على حالة الاستلاب التي طالت الشباب العربي اليوم، مضافا لها الفشل الذريع لمنظومة التربية في البيت والمدرسة في إخراج جيل أكثر تقبلا للآخر وتفهما له وقدرة على التواصل معه مهما اشتد الخلاف من أجل استنهاض المجتمع والدولة.

ويبرز الوعي السياسي الصحيح ضمن مستويات متعددة، تبدأ بقدرة المرء على الاستقلال التام في تكوين آرائه ومواقفه السياسية، بعيدا عن التقليد أو التلقين أو التأثر. فصاحبه واع ومدرك لآرائه التي ينبغي أن تحوي قدرا كافيًا من الانسجام والتوافق، ثم اتخاذ مواقف محددة من القضايا السياسية المحلية والإقليمية والدولية، وأن يتحول ما يختزنه وعيه من معلومات، تتدفق بشكل مستمر إلى دائرة عمليات التفكير لديه بعد تحليلها، إلى سلوك سياسي يخرج من دائرة المراقبة إلى مرحلة تكوين المواقف ومن ثمّ البدء بتظهيره على شكل نقد اجتماعي.

ويصل المرء بعد ذلك إلى مرحلة البحث عن أفراد وجماعات تشاطره التوجه والرأي، فينسق معها وصولا إلى تشكيل جماعة ضغط يستطيع من خلالها أن يكون صوته أكثر تأثيرا ونفوذا في إصلاح المجتمع.

بدون وجود هذه المقومات اليوم عند غالبية الشباب العربي الذي تتبعثر قواه وتضيع طاقاته ويغرق في رفوف المشاكل الخاصة، فلا يمكن للأمة العربية الخروج من عين الإعصار الجارف للتاريخ والحاضر والمهدد للمستقبل في آنٍ.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"