بقلم : أوّاب المصري السبت 17-12-2016 الساعة 01:19 ص

الثورات والأنظمة الفاسدة !

أوّاب المصري

يحار المرء وهو يمسك بجهاز التحكم عن بعد لجهاز التلفاز في العثور على وسيلة للهرب من مشاهد القتل والدمار والتشريد التي تعاني منها بلادنا العربية. فنسعى لخفض صوت التلفاز حتى الصمت كي لانسمع معاناة مواطن مقهور أو أنين جريح تؤلمه جراحه أو عتاب ثكلى تناشد من يساعدها أو شكوى طفل اشتاق لحضن والده. نقلّب بين القنوات علّنا نجد خبراً مفرحاً أو برنامجاً ترفيهياً أو حتى فيلماً سينمائياً ينسينا نكبتنا، ليس هرباً من تحمّل المسؤولية، إنما هو شعور العاجز الذي سئم التضامن بأضعف الإيمان وتعب من تعاطفه الأجوف الذي لا يُطعم جائعاً ولا يُفرح طفلاً ولايؤمّن مأوى لعائلة مشردة.

حالة العجز واليأس والإحباط التي أصابت الكثيرين دفعت بهم لطرح تساؤل يجده البعض مستهجناً: ترى ألم يكن خيرا للشعوب الثائرة لو أنها لم تثر، فواصلت الخضوع للحاكم وزبانيته، ولم تحرك ساكناً إزاء فسادهم ونهب خيرات بلادهم؟ ألم يكن خيرا للشعب السوري لو أنه لم يغضب ولم يتظاهر ولم يرفع صوته رفضاً لظلم وفساد وإجرام نظام بشار الأسد، ألم يكن ذلك حفظ دماء مئات آلاف السوريين ومنع تشريد الملايين وحفظ أرضهم من الدمار والتخريب الذي أصابها؟ ألم يكن أكثر فائدة للشعب الليبي لو أن معمر القذافي استمر في حكم بلادهم "زنقة زنقة، وبيت بيت"، مع ما رافق هذا الحكم من طغيان وفساد وتسلط، لكنه كان حفظ دماء الليبيين ومنع أطماع الشرق والغرب بأرضهم وخيراتها؟ ألم يكن خيرا للشعب المصري لو أنه أدّى فروض الولاء لحسني مبارك وصفّق لتوريث ابنه جمال رئاسة الجمهورية وسكت على فساد المنتفعين منه، ألم يكن أفضل مما تعانيه مصر اليوم من ظلم وقهر على أيدي ثورة مضادة زجّت بخيرة أبنائها في السجون وتقتل منهم من يرفع الصوت أو يرفض الخضوع؟ ألم تكن ثورة اليمنيين عاملاً مشجعاً لجماعة الحوثي ومعها إيران لتنفيذ مخططاتها التوسعية؟. أليست أسئلة مشروعة تلك التي تسأل عن الفوائد التي حققتها ثورات الشعوب المقهورة بعدما باتت البلاد ممزقة والشعوب مشتتة؟ ألم يكن خيرا لهذه الشعوب لو أنها واصلت خضوعها للظالم المستبد واستمرت في تصفيقها له والتهليل لإذلالها وسلب كرامتها وإفقارها وتجهيلها مما يحصل اليوم؟.

هي أسئلة مشروعة، لكن أسئلة مشروعة أخرى يجدر بالشعوب المقهورة أن تطرحها: من منّا كان يتخيل أن تتحول ثورة الشعب السوري على نظامه إلى حرب كونية تتحالف فيها دولة عظمى كروسيا إلى جانب إيران وحزب الله والمليشيات الشيعية حول العالم واجتماعهم لمواجهة الشعب السوري والسعي لسلبه حلمه بالعيش بكرامة. من كان يتصور أن تنمو في بلادنا غدة سرطانية اسمها "داعش" شوّهت وجه الثورات الصادقة، وسرقت نضال الشعوب وكفاحها في سبيل الحرية، ونجحت في تحويل مسار الثورات من سعي لرفع الظلم إلى إرهاب وقتل وتشويه لصورة الإسلام والمسلمين. من كان يخطر في باله أن إيران ستنجح في استغلال ثورات الشعوب لتتسلل إلى منطقتنا وتزرع ميليشاتها تحت عناوين خادعة ومزيفة. من كان يتخيّل كل ذلك؟

حين تشتعل الثورات لايفكر أصحابها في مآلها، وليس بالضرورة أن يحصد الثائرون ثمار ثورتهم، فربما تتأخر الثمرة بالنمو فيحصدها أبناؤهم، هي حالة أشبه بالبركان المنتفض الذي حانت ساعة قذف حممه، لكن المؤكد هو أن الله تعالى "لايغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم".

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"