بقلم : د. محمد مصطفى علوش السبت 24-12-2016 الساعة 01:31 ص

التعددية السياسية في التصور الإسلامي

د. محمد مصطفى علوش

التعددية لغة تعني عدم التفرد. وتعرف "موسوعة السياسية" التعددية بأنها "الاعتراف والسماح لأديان المجتمع وطوائفه ومذاهبه وجماعاته وأحزابه بإظهار عقائدهم وآرائهم وتوجهاتهم، وممارستها والدعوة إليها عن طريق التجمعات السلمية، من غير إضرار بالآخرين".

يقصد بالتعددية السياسية: تشريع وجود الأحزاب التي من حقها التعبير عن آرائها ومواقفها السياسية. وعليه فإن التعددية السياسية تتضمن الاعتراف بالتنوع داخل المجتمع وإمكانية الاختلاف بين مكوناته مع ضرورة الاحترام لهذا الاختلاف القائم والسماح له بالتعبير عن نفسه بحرية وتوفير الظروف التي تتيح له عرض أفكاره وطروحاته السياسية وتفعيلها من خلال المشاركة السياسية بكافة مستوياتها وأبعادها.

وحتى يومنا هذا لم يحسم العقل الإسلامي موقفه من "التعددية السياسية"، ولا يزال النقاش محتدمًا بين المؤيدين له والرافضين. ولكل أدلته من الفقه والواقع. وهذا التأخير في حسم الموقف من التعددية ينسحب على قضايا أخرى لا تقل إشكالية عن التعددية مثل: "المواطنة" والديمقراطية" و"المشاركة السياسية"، وغيرها من القضايا التي بات تبنيها ضرورة لتنمية المجتمعات ونقلها من دائرة الحكم التسلطي إلى الحكم التشاركي القائم على العدل والمساواة.

وإذا عدنا إلى النقاش حول التعددية السياسية نجد أن المعارضين يستدلون في نفي شرعيتها أن "الأحزاب" لم تذكر في النصوص الشرعية إلا مقترنـة بالـذم والـوعيد لأنها باب إلى الفرقة والتشرذم. والتعددية السياسية هي تنافس يورث الحقد والتباغض الناقض لطبيعة العلاقة داخل المجتمع المسلم.

وإذا كان الإسلام نهى عن التنافس في طلب الإمـارة. كما نهى عن تزكية النفس فإن نشوء الأحزاب والتنافس بينها فيه مخالفة تفضي إلى الوقوع في النهيين الواردين.

وإذا كانت التعددية تعني تبادل السلطة بين الأطراف المتنافسة فهو أمر مناقض لما هو معهود في فقه الإمامة العظمى. فالإمام يبقى إمامًا ما لم يتغير حاله بنقص في بدنه أو جرح في عدالته أو ردة عن الإسلام.

وقد ردّ المؤيدون للتعددية السياسية على جملة هذه الاعتراضات. فالآيات القرآنية التي تنهى عن التفرق والتنازع وتأمر بالوحدة هي في أمور الدين أو في مورد النص الواضح البيِّن الذي لا يحتمل أكثر من تفسير وليس في القضايا المتعددة الوجوه والتفسيرات والرؤى في إدارة المجتمع.

والتعدد لا يعني بالضرورة التفرق فقد اختلف الصحابة في مسائل فرعية كثيرة ولم يضرهم ذلك شيئا، واختلفوا في عصر النبي في بعض القضايا مثل اختلافهم في صلاة العصر في طريقهم إلى بني قريظة، وهي واقعة مشهورة.

والقول بتعددية الأحزاب لا يفضي ضرورة إلى التعصب للحزب بحق أو باطل. وهذا أمر يخضع للقيم والمثل التي يحملها الحزب وأعضاؤه.

وقد رأى المؤيدون لجواز التعددية السياسية أنها وسيلة من وسائل "السياسة الشرعية" التي تهدف إلى تحقيق مصالح العباد وأبعاد المضار عنهم. وحالها كحال أي وسيلة أخرى، الأصل فيها الإباحة الشرعية ما لم يرد نص صريح على تحريمها. وبما أن التعددية تعني توسيع دائرة المشاركة السياسية لتصويب مسار السلطة السياسية فإنها شرط لازم لتحقيق مقصد شرعي وهو مبدأ الشورى التي على الأغلب لا يمكن تفعيلها في حياتنا المعاصرة إلا من خلال التعددية السياسية. وإذا كان توفر التعددية السياسية في المجتمعات يمنع الخروج المسلح على الحاكم، كما يمنع الاضطرابات بما يحدثه من استقرار مجتمعي فهذا أمر ممدوح وقد يصبح فرضًا لازما للحاكم والمحكوم. كما تسمح التعددية ببروز الأحزاب وتنافسها على نيل رضا الشعب من خلال حماية حقوقه والمناداة بها كما تحميه من جور الحكام وبطشهم. ومن المعلوم أن البديل للتعددية السياسية هو النظام الفردي التسلطي. وإذا كان للتعددية بعض العيوب وعليها بعض المآخذ عند الرافضين لها فإنه لا يمكن مقارنتها بالفردية ونظام الحزب الواحد الذي جرّ الويلات والمصائب على الشعوب العربية والمسلمة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"