بقلم : د. محمد مصطفى علوش السبت 31-12-2016 الساعة 12:58 ص

حين تكون روسيا وتركيا عرّابي وقف إطلاق النار السوري

د. محمد مصطفى علوش

يعرف الأتراك تمام المعرفة حجم الحاجة الروسية لهم في الملف السوري بقدر العلم المتوافر لدى الروس عن ملابسات الحاجة التركية لهم في الملف السوري، وما خلقته الأزمة من مشاكل للأتراك داخليا وخارجيًا.

قد تكون المعرفة المتبادلة لكل منهما لحجم قوة ومدى نفوذ الطرف الآخر هي الباعث الأبرز في التقارب المرّ الذي فرضته الظروف بعد حرب سياسية أوشكت أن تكون عسكرية.

يتقدم الروس خطوات على منافسيهم الغربيين في الشأن السوري لأنهم يعلمون ماذا يريدون أو أنهم صريحون في الحديث حول ما يردون. الإخفاق الغربي أو المراوغة المهتزّة له دفع بعضهم للغمز من قناة روسيا على لسان دبلوماسي أمريكي في حديث لوكالة رويترز يوم الأربعاء الفائت أن "دولة، حجم اقتصادها يعادل حجم اقتصاد إسبانيا، تتبختر في سوريا وهي لا تدري ماذا تفعل" في تطابق يصل حدّ الوشاية أن المصدر واحد إذا ما قارنا ما سبق مع كلام السفير الأمريكي السابق في روسيا، القائل في حينه: روسيا مهما حققت من إنجازات في سوريا، فهي في نهاية المطاف عالقة في فخ هناك.

روسيا التي دخلت حلبة الصراع السوري، كانت تقول بضرورة إجراء إصلاحات سياسية واسعة. عودة حلب إلى حظيرة النظام، لم تحمس الروس للانتقال إلى مناطق أخرى لتحقيق انتصارات جديدة بل كان الخيار لديهم هو استغلال انتكاسة المعارضة المسلحة في حلب للحديث عن حلّ سياسي ستكون فيه الشروط المحمولة من أطراف النزاع لصالح الرؤية الروسية حصرًا، وليس لصالح أي طرف آخر. بهذا المعنى حققت روسيا انتصارا سياسيا معطوفا على انتصار عسكري لا يمكن الجزم ببقائه طويلًا لو لم يكن ملحقا بشكل سريع وجدي بالسعي لإيجاد حلّ سياسي يفضي إلى وقف شامل لإطلاق النار.

الخطوة الروسية كما تبدو لا تروق لأطراف كثيرة صاحبة شأن في الأزمة السورية. ويبدو أن التوافق الروسي التركي في حل الأزمة وكيفية تطبيق وقف إطلاق النار والتعهد بحمايته كشف حجم التناغم الروسي التركي إذا ما قيس بعلاقات روسيا مع حلفائها المفترضين وعلاقات تركيا مع حلفائها الغربيين.

خرجت تركيا ممثلة شبه حصري لموقف المعارضة السورية. كما أن وجودها في الشمال السوري يحظى برضى روسي مبطن. فموسكو بحاجة إلى أنقرة سياسيًا وعسكريًا وإستراتيجيًا. سياسيًا لضبط المعارضة وتأهيلها لتكون شريكا موثوقًا على طاولة المفاوضات، وعسكريًا في مواجهة تنظيم الدولة، وإستراتيجيًا لتفكيك حلف الأطلسي من خلال إبعاد تركيا عنه. ولا يجد بوتين حرجا أن يغازل أنقرة بقصف مدينة الباب لصالح درع الفرات ضد تنظيم الدولة بعد أن مارست أنقرة نفوذها على المعارضة السورية للقبول بخطة وقف إطلاق النار.

التناغم الروسي التركي ذهب إلى مدايات أوسع من تلك التي كانت متوقعة عند أكثر السيناريوهات تفاؤلا.

وإذا كانت الحاجة الروسي للأتراك ضرورية لضبط المعارضة وحملها على القبول بحلّ سياسي فيه شيء من الرجحان لصالح الأسد في الوقت الحالي، فإن حاجة الأتراك للروس تبدو هي الأخرى ملحّة للغاية لتحقيق الأهداف التركية من التدخل في الأزمة السورية. فالروس لا يشاطرون الأكراد تطلعاتهم الانفصالية كما يفعل الأمريكيون، ولا يثقون إطلاقًا بفتح الله جولن، كما لا يخفون حقدهم الدفين على داعش وأخواته كما أنهم جادون في شراكة مستدامة مع الأتراك، فهم يعلمون أن الأخيرة جزء من هذه المنطقة وتجاهل مصالحها يعقد المشاكل ولا يحلّها، وأن التكامل الاقتصادي معها قد يخلق فضاءً اقتصاديًا إلى جانب دول أخرى مثل البريكس متحررًا من الهيمنة الأمريكية التي تحتقر وتزدري الجميع وتعلي من شأن مصالحها الخاصة حتى لو أضرت بحلفائها التاريخيين.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"