بقلم : د. محمد مصطفى علوش السبت 07-01-2017 الساعة 12:45 ص

كيف لتركيا أن تتجنب هجمات جديدة

د. محمد مصطفى علوش

لم تكن حادثة الملهى الليلي في إسطنبول هي المرة الأولى التي توجّه فيها الحكومة التركية أصابع الاتهام لتنظيم داعش بالوقوف وراءها. فقد سبقتها عملية اقتحام مطار أتاتورك الدولي على يد مجموعة قادمة من خارج تركيا قبل شهور قليلة إلا أن الواقعة الأخيرة كانت مفارقة ليس لحجم الضحايا الكبير فقط، وإنما لأنها المرة الأولى التي يعلن فيها تنظيم داعش مسؤوليته عن الجريمة بشكل صريح وواضح، وما تأخره لعدة ساعات عن التبنِّي إلا لتمكين الفاعل من مغادرة مسرح الجريمة والوصول إلى مكان آمن نسبيا.

اللافت في أغلب العمليات التي تحمل بصمات داعش، كان منفذوها أو المشتبه بهم ينحدرون من أصول تركية قديمة، سواء من أقلية الإيغور التركية في الصين أو من دول آسيا الوسطى التي كانت يوما جزءًا من الاتحاد السوفيتي. ويشترك هؤلاء جميعا بصفات وسمات محددة تختلف عن باقي الجنسيات المنخرطة في التنظيمات المتشددة في سوريا. فجميعهم -المنحدرون من أصول تركية- من دول تعيش في ظلّ نظم شمولية أو تعاني أزمات حادّة على كافة المستويات مثل الإيغور تلك الأقلية التي تعاني مشاكل جمّة في الاندماج والإعتراف بها وبخصوصيتها الثقافية والعرقية والدينية داخل الصين.

والمستوى الثقافي والديني لهؤلاء جميعا متواضع جدا في القدرة على فهم تعقيدات أزمات الشرق الأوسط وتحديدا الأزمة السورية. وهم حين يهاجرون إلى سوريا للقتال فهم يهاجرون كعائلات كاملة فيها النساء والأطفال والشيوخ. ومردّ هذه الهجرة الجماعية هي البحث عن وطن بديل، وطن جديد لهم بالكلية، يظنون فيه الفردوس الموعود.

ورغم أن أغلب المهاجرين من هذه الجنسيات يتجه إلى العمل مع "الحزب الإسلامي التركستاني" أو ينخرط مباشرة في جبهة فتح الشام -النصرة سابقًا- إلا أن أعدادًا لا باس بها فضّلت الذهاب للعمل مع تنظيم داعش. والمفارقة أن التنظيم يستغل هؤلاء في الترويج لبضاعته من خلال إصداراته المرئية التي يستعرض فيها أطفالا وعجائز، كونهم أكثر قدرة من غيرهم على الاندماج وأكثر اندفاعا وإيمانا بأيديولوجيته.

وما إن يحلّوا الأراضي السورية بعد هجرتهم حتى يجدوا الأدوار المرسومة لهم تنتظرهم، فيحرصون على تنفيذها بداعي الانتقام ممن يحاول أن يحرمهم هذا الفردوس الذي هاجروا اليه. وهنا تلعب الإيديولوجية المتطرفة لتنظيم داعش دورا كبيرا في تعبئة هؤلاء على الأتراك الذين أعلنوا الحرب على التنظيم ويشنون هجمات لا هوادة فيها ضدّه، ومصممون على استئصاله من المناطق التي يرون أن وجوده فيها يشكل تهديدا مباشرا على الأمن القومي التركي.

إن اختيار تنظيم داعش لأولئك الذين ينحدرون من أصول تركية يرفع نسبة نجاح مخططاته، حيث يساعد المجنّد على التخفي وسرعة الاندماج في المجتمع التركي الذي ألف الانفتاح على الآخرين لاسيَّما في عهد "العدالة والتنمية" التي تبنت سياسة الباب المفتوح مع العالم اقتصاديا واجتماعيا منذ وصولها للسلطة.

ومع اتساع دائرة عمليات تنظيم داعش القائمة على أسس إستراتيجية "الذئاب المنفردة" خلال عملها في تركيا، لم يعد أمام أنقرة سوى المزيد من التنسيق مع الدول التي ينحدر منها هؤلاء، إلى جانب التنسيق مع روسيا التي تملك نفوذا سياسيا واستخباريا كبيرا في دول آسيا الوسطى، وكذلك التنسيق مع الصين التي تتطلع بدورها إلى التنسيق مع تركيا لجهة تبادل المعلومات حول المهاجرين من مواطنيها إلى سوريا لأسباب داخلية بحتة. ودون هذا التنسيق، فعلى الأرجح لن تتمكن تركيا من الحيلولة دون وقوع هجمات جديدة على أراضيها.

ولعل التعاون والتنسيق التركي-الروسي المستجد في سوريا قد يساعد الأتراك في تتبع الجماعات المنخرطة في التنظيمات الموضوعة على قائمة التنظيمات الإرهابية دوليًا للحدّ من نفوذها وخطرها على الأمن القومي التركي.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"