بقلم : توفيق المديني الإثنين 09-01-2017 الساعة 01:58 ص

دور المجتمع المدني في محاربة الفساد

توفيق المديني

تتطلب مكافحة الفساد، توافر الإرادة السياسية، ومشاركة المجتمع المدني، وتقوية المؤسسات، فضلاً عن دور التعاون الدولي. فمكافحة الفساد في تونس، تعتبر مسؤولية كل المواطنين وأحزاب وقوى المجتمع المدني الحديث، وهي تتطلب ثورة اجتماعية شاملة معطوفة على تأسيس قيم وممارسة الديمقراطية والحفاظ عليها في المجتمع، وآليات واضحة لتأصيل الشفافية والمراقبة الفعالة. إلا أن هذا الإصلاح لا يبدو سهلاً نتيجة انعدام الديمقراطية في تونس، ونتيجة ضعف أو انعدام الضوابط وإجراءات الرقابة التي يمارسها المجتمع عن طريق مختلف مؤسساته، وبسبب الروابط والعلاقات الشخصية داخل عوالم المال والسياسة، والتي تعود جذورها إلى قرون من الممارسات الاستبدادية والتقاليد الإقطاعية.

تستلزم هذه القضية أولاً،تحديد ما نعنيه بمنظمات المجتمع المدني التي يمكن أن تقوم بهذا الدور، وثانيًا،مدى قدرة المجتمع المدني التونسي على مواجهة الفساد بمعناه الشامل، ويلاحظ في هذا الإطار أن معظم الكتابات الخاصة بالمجتمع المدني العربي تنطلق من فرضية وجوده و فاعليته و قدرته على القيام بما يُطلب منه من أدوار، إذا ما توافرت له بعض الشروط و أهمها: الاستقلالية عن الدولة.

غيرأن تقويم قدرات المجتمع المدني يستلزم اللجوء إلى مقاربات منهجية أكثر قدرةً على تحليل و تفسير الأدوار المختلفة التي يمكن أن يقوم بها المجتمع المدني،خاصة في ارتباطه بمعيار الفاعلية في تحقيق التنمية والتغييرالاجتماعي.وتعتمد هذه المقاربة على منظورين،هما المنظورالوظيفي والمنظورالبنيوي.والمنظورالوظيفي هوالذي يأخذ في الاعتبار وظيفة منظمات المجتمع المدني الرعائية و الخدمية سواء بالنسبة إلى التنظيمات المهنية أم المنظمات غير الحكومية.

أما المنظور البنيوي،فيرتبط بدور منظمات المجتمع المدني في المساهمة في عملية التحول الاجتماعي و السياسي للمجتمع باعتبارها أحد الفواعل الأساسية في البناء الاجتماعي.و يتسم دور المجتمع المدني في هذه الحالة في علاقته بمؤسسات المجتمع الأخرى مثل الدولة و البسوق بكونه عنصرًا يؤدي إلى التوازن الاجتماعي للقوى الفاعلة و ليس تابعًا أو ملحقًابتلك العناصر الأخرى.و تتجاوز منظمات المجتمع المدني بهذا المعنى الدور الرعائي- الخدمي إلى الدور التنموي بمعنى العمل على تغيير الواقع هيكليًا و تعظيم القدرات، والدفاع عن الحقوق و تمكين القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير. مما يعطيها الشرعية و يضع تطويرها في إطار تطوير البنى الاجتماعية للمجتمع. و يعني ذلك أن دور هذه المنظمات دورٌ تعبويٌ يرتبط بالتمكين و تعظيم القدرات في إطار نضالي، حيث تعمل على خلق العقلية الناقدة لما يحدث في المجتمع،و المبدعة لأشكال ووسائل التغيير و التقدم. وتمثل منظمات المجتمع المدني بهذا المعنى البنيوي القوة القصدية الفاعلة في التغيير الاجتماعي.

فإذا انتقلنا إلى دور المجتمع المدني التونسي في مواجهة الفسادبمعناه الشامل يمكننا أن نلاحظ أن منظمات المجتمع المدني ، بداية من النقابات العمالية ، و الاتحادات، إلى المنظمات الأهلية، مازالت تتحرك بشكل عام في الإطار الوظيفي سواء بتأثير المعادلة السياسية التي تقوم عليها الحكومة التونسية الحالية،في علاقة تبعية للدولة، سواء بإرادتها أو رغمًا عنها، أو بتأثيرات الهيئات الدولية التي تركز على هذا الدور الوظيفي. وعلى الرغم مما نراه من اتخاذ الاتحاد العام التونسي للشغل ، و بعض المنظمات المهنية منحًى سياسيًا،فإنه لا يحمل عادة برنامجًا متكاملاً لمحاربة الفساد، و للتغيير الاجتماعي.

وقد شهد المجتمع المدني التونسي أيضًا صحوة كبيرة و تناميًا في تأسيس الجمعيات و المنظمات الأهلية الحقوقية التي كان يمكن أن تكون بداية للمجتمع المدني بالمعنى البنيوي، فإن بعضها قد تأثر بالضغوط غير المعلنة من مؤسسات التمويل الدولية للتركيز على ما يلائم الأجندة الدولية من القضايا،و التي و إن كان هدفها أحيانًا إحداث تغيير،فهو بالقطع ليس ما تعنيه بالتغيير الاجتماعي الجذري.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"