بقلم : ليون برخو الثلاثاء 17-01-2017 الساعة 02:01 ص

جامعة قطر واللغة العربية

ليون برخو

كانت بادرة طيبة تلك التي قامت بها جامعة قطر مؤخراً. لقد أصبح الآن لزاماً على الجامعة وكلياتها وأقسامها، القيام بالمراسلات فيما بينها بلغة الضاد.

أن تكون اللغة العربية وسيلة التعليم والدراسة والتواصل والمراسلة في الجامعة، فلعمري هذا أمر محبب ويثنى عليه.

ربما ليس هناك لغة في الدنيا جذورها تضرب في أعماق ثقافة، وتاريخ، وتراث، ووجدان الناطقين بها، مثل لغة الضاد.

بيد أنني سأتجاوز مؤقتا هذا الموضوع الحيوي، حول علاقة اللغة بالثقافة والهوية، وسأركز في هذا المقال على العلاقة بين جامعة قطر واللغة العربية.

فإنني وأنا أناقش دور اللغة العربية في جامعة قطر، سأتكئ على تجربتي كمترجم، ومن ثم كباحث، مسلطاً الضوء على التجربة السويدية في هذا المضمار، وبعض التجارب الأخرى، لا سيما على المستوى الجامعي.

ففي السويد، التمكن من ناصية اللغة الوطنية (السويدية)، والحصول على معدل عال فيها، في مرحلة الثانوية، واحد من المتطلبات الأساسية للالتحاق بالجامعة، وفي كل الاختصاصات من الطب الى الهندسة والعلوم الصرفة، والطبيعية والتقنية الى العلوم الإنسانية والاجتماعية.

وفي السويد هناك حركة ترجمة نشطة جداً، ولن أغالي في القول، إذا ما قلت: إن ما يترجم الى السويدية التي هي لغة حوالي تسعة ملايين نسمة، قد يتجاوز ما يترجم الى اللغة العربية التي ينطقها حوالي 400 مليون نسمة.

وقد يسأل قارئ ما هو دور اللغة الإنكليزية؟ الإنكليزية لها مكانة كبيرة في التعليم، وهي أيضا متطلب أساسي للالتحاق بالجامعة. يأتي الطالب الى الجامعة وهو معدّ اعداداً حسناً للقراءة والكتابة باللغة الإنكليزية، إضافة الى السويدية.

في الدول الإسكندنافية، التي تعد أكثر الدول حضارة، ومدنية، وتطوراً وازدهاراً في العالم، يرى المسؤولون عن التعليم ـ بكافة مراحله ـ أن اللغة الإنكليزية اليوم صارت إحدى الوسائل الأساسية، للحاق بركب الصناعة والعلوم والتكنولوجيا الحديثة. اليوم أكثر من 90% من الأبحاث العلمية والأكاديمية متوافرة باللغة الإنكليزية. النشر العلمي الرصين، والمؤثر، جلّه اليوم متوافر باللغة الإنكليزية.

عندما غادرت جامعتي السويدية للالتحاق بجامعة قطر، اغتبطت كثيراً لأن التدريس برمته في قسم الإعلام، الذي أنا منتمٍ اليه، يجري باللغة العربية. هذه كانت اول فرصة لي في حياتي كي أدرس بالعربية.

وكنت في شك من أمري ـ لأول وهلة ـ خشية ألا يستسيغ الطلبة التحدث باللغة العربية الفصيحة. بيد أنني اندهشت للحب الجم، الذي يكنه الطلبة للغة الضاد. وأود أن اؤكد أربع نقاط أساسية، استقيتها من تواجدي في الجامعة:

النقطة الأولى تخص الكتب المنهجية. أظن أنه يجب تشجيع الهيئات التدريسية، على تأليف كتب منهجية وباللغة العربية. وهنا أظن أيضاً أنه يجب مكافأة الأستاذ الذي يؤلف كتاباً منهجياً من حيث التقييمُ؛ بشقيه المعنوي (الأكاديمي) والمادي. وكذلك يجب تقييم الكتاب المنهجي، من حيث التحكيمُ الأكاديمي الرصين، فيما يتعلق باللغة العربية، والمادة العلمية، قبل جعله مادة تدريسية ملزمة. النقطة الثانية: تتعلق بتشجيع الأساتذة على الترجمة في اختصاصاتهم، وجعل ترجمة الكتب المنهجية جزءاً أساسياً من التقييم الجامعي بشقيه المعنوي والمادي. وأي كتاب مترجم يجب أن يخضع لتقييم أساتذة اللغة العربية، أو الذين يملكون ناصيتها لضمان سلامة اللغة وسلاستها.

النقطة الثالثة: تخص قرار جعل لغة الضاد لغة التدريس، والبحث، والمراسلة، في كثير من الاختصاصات. هذا قرار سليم. ولكن كي يكون للقرار أبعاده الأكاديمية، والتربوية، والعلمية، والبحثية الرصينة، يجب أن نرفق ذلك بإجراءات تجعل التمكن من ناصية اللغة العربية؛ قراءة وكتابة ـ ضمن المسار الأكاديمي ـ من المتطلبات الأساسية في الجامعة.

والنقطة الرابعة والأخيرة لها علاقة مباشرة مع العملية الأكاديمية، التي في رأيي لن تكون ناجعة في غياب التمكن من اللغة الإنكليزية. الإنكليزية لم تعد اليوم لغة وطنية تخص شعباً محدداً وحضارة محددة. إنها لغة عالمية (لغة العولمة) أولاً، وثانياً: إنها لغة العلم والمعرفة والتكنولوجيا على نطاق العالم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"