بقلم : أوّاب المصري الخميس 26-01-2017 الساعة 12:48 ص

كيف تتم صناعة الدواعش في لبنان؟

أوّاب المصري

انشغل اللبنانيون في الأيام الماضية بخبر إلقاء القبض على انتحاري قبل لحظات من تفجير نفسه في أحد مقاهي بيروت. التسريبات التي نشرتها وسائل الإعلام حول الانتحاري المُفترض أشارت إلى أنه شاب في مقتبل العمر لبناني الجنسية ينتمي لتنظيم داعش، وأنه كان سينفذ جريمة التفجير بناء لأوامر تلقاها من قيادة التنظيم في منطقة الرقة السورية. ليس مستغرباً نجاح تنظيم داعش باجتذاب شبان عرب إلى صفوفه، لكن هذا الأمر لم يكن يشمل اللبنانيين.

فللشعب اللبناني خصوصية تميّزه عن بقية الشعوب العربية، تجعل من الصعب أن تتوفر فيه بيئة حاضنة للتنظيمات المتشددة. فالتنوع الطائفي (18 طائفة) الذي يتميز به لبنان وانفتاحه على الغرب، جعلا غالبية المسلمين في لبنان بعيدين عن أجواء التزمّت والتشدد الديني. فاتساع الحالة الإسلامية بين الشعوب العربية لم تصل أصداؤها للبنان. ومن المألوف أن تجد مسلماً في لبنان لايصلي ولا يصوم وربما يشرب الخمر لكنه في المقابل يرفض أن يتم المساس بزعيم طائفته. هذا الواقع تغيّر في السنوات الماضية، وكشفت الأحداث والمحاكمات القضائية أن التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها داعش نجح في اجتذاب شبان لبنانيين إلى صفوفه واستطاع تجنيدهم لتنفيذ جرائمه في لبنان. فما الذي تغيّر حتى باتت التنظيمات الإرهابية تجد بين اللبنانيين من يستقبل أفكارهم ومستعد لتنفيذ مخططاتهم الدموية،

ولماذا تحوّل لبنان إلى بيئة خصبة صالحة لتسلل الفكر الإرهابي إليها؟. في التحقيقات الأولية مع الانتحاري الذي كاد يفجر نفسه في أحد مقاهي بيروت قال إنه غير نادم على مافعل، وأن أمنيته أن تسنح له الفرصة مرة أخرى لتنفيذ عملية انتحارية. فما هي الأسباب التي جعلت هذا الشاب على هذه الدرجة من اليأس والإحباط؟. مبررات كثيرة يمكن تقديمها لتفسير حال هذا الشاب وحال كثيرين غيره. فهؤلاء لايفهمون لماذا تجتهد الدولة اللبنانية في رصد وملاحقة والتضييق على الساحة الإسلامية واعتقال أبنائها والتنكيل بهم في السجون لارتكابهم أتفه المخالفات، في حين أنها تغض الطرف ولاتبذل أي جهد في رصد وملاحقة لبنانيين آخرين. لماذا تصرّ الأجهزة الأمنية والقضائية على ملاحقتهم وتنفيذ القانون بحقهم في حين أن الأجهزة نفسها تدفن رأسها في الرمال وتتجاهل ما يقوم به آخرون. لماذا لايحق لفريق من اللبنانيين أن يناصر ثورة الشعب السوري ويدعمها وربما القتال إلى جانب أبنائها، وإذا فعل فإنه يزج بالسجون بتهمة الانتماء لمنظمات إرهابية، في حين أن لبنانيين آخرين يشاركون على الملأ في قتل الشعب السوري ويرتكبون بحقه أفظع الجرائم، ويعبرون الحدود تحت مرأى ومسمع من السلطة اللبنانية دون أن تحرك ساكناً. أمثلة كثيرة يقدمها هؤلاء للتدليل على الظلم الذي تمارسه الدولة اللبنانية بحقهم، في الوقت الذي يسرح فيه الآخرون ويمرحون.

صحيح أن الدولة اللبنانية تحارب المنظمات الإرهابية وتلاحق عناصرها، لكنها من خلال تمييزها في تعاملها بين اللبنانيين والتضييق على فريق منهم وتجاهل الآخرين فإنها تخرّج أجيالاً من الدواعش، وهو ما يجب تداركه والحيلولة دون انتشاره.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"