ليس هذا اليوم فحسب

صالحة أحمد

كانت ردة فعل عكسية، فلهيب الموقف الذي أشعلته حرارة من فيه؛ بسبب الحماس المتدفق منهم، والذي حَمَلَهم على التباهي بما يفعلونه بغرور فاحش صاحبته رغبة شديدة حرصت على التقليل من شأن من لم يقبل بمجاراة تلك التحضيرات قد كان عاجزاً عن إذابة ما قد تجمد من حولي، وهو ما قد بدأ بتجمد الدم في عروقي، ثم نظراتي التي لازمت مكانها، حتى وقفتي التي شعرت معها بأني مجرد تمثال لا قدرة له على فعل أي شيء سوى مراقبة من كان يراقبه بصمت طال بعض الوقت، غير أن ذاك السؤال الذي ظل يومض؛ كي يُعلن تشبثه بخيط الحياة ويؤكد لي أن ما كنت أراه لم يكن سوى ذاك الواقع الذي وقع على رأسي قد أعادني حيث يجدر بي أن أكون، وهو: هل هذه حقيقة؟ وبعد لحظات سرقتها من الزمن جاءت الإجابة على ظهر حجة واهية قالت وبكل غرور: نعم حقيقة فما يجدر أن يكون هو ما يحدث الآن. بعدها تجمد كل شيء من جديد، وكان من الواجب أن أتحدث، ويبقى السؤال: ما الذي سأتحدث عنه الآن، بل ما هو ذاك الموقف الذي كنت أتحدث عنه منذ البداية؟

لم يكن ما قد بدأت به مقالي من سطور رواية سبق لي وأن كتبتها، ولكنه كل ما قد شعرت به حين جمعتني الظروف بشخصية قررت الاحتفال بمناسبة (ما) ولم يتوقف الأمر عند ذاك الحد فحسب بل إنه ما قد تجاوز قرار فعل ذلك بشكلٍ انفرادي؛ لتفرضه على الجماعة وإن لم يكن ليتوافق مع أفرادها لأسباب كثيرة لن أتطرق إليها، فما يهمني هو التطرق للموضوع ذاته، والذي إن كان اختراق جدرانه مزعجاً للبعض وفي غير محله، إلا إنه سيكون؛ لأنه ما يستحق ذلك. أنا أتحدث عن (يوم الأم)، الذي يزعم من يزعم أنه؛ لتكريم الأم: تاج الرأس، روح البيت، ولا يليق بها ولها -من وجهة نظري- إلا أن تكون جنة الله في الأرض؛ لأنها كذلك وبرها هو سبيل دخول الجنة، وهو ما قد وصانا به ديننا الإسلامي الحنيف، الذي حرص على ذلك فأكد عليه وعلى حقيقة أن البر هو مفتاح الحياة السعيدة الخالية من الهموم ومن كل ما يحاول تعكير صفوها؛ ولأن في البر وللبر قصة عظيمة فلقد أردت الوقوف على هذه النقطة مع التركيز على أن الكلام قد فُصِلَ لكل من قد تباهى بضرورة الاحتفال بـ (يوم الأم): أليس من المخجل بأن يكون لمن تحملت وتكبدت عناء (الحمل) الذي يكون متوسط عدد أيامه (280)! يوم واحد فقط؛ كي نحتفل فيه بعظيم ما قد كان منها طوال العام؟ فنُحضر المكان وكل ما يتطلبه ويُبشر بوجود حفلة، ولكنه وفي المقابل يُنذر بمصيبة تُدرك في نهاية اليوم، وتحديداً بعد الانتهاء من تلك الحفلة، التي تعود بكل تفاصيلها إلى الرفوف في انتظار موعدها التالي من العام اللاحق؟ أليس من المخجل أن نُقبل على زيارة الحبيبة؛ كي نُقبل رأسها وننهال عليها بالأحضان وكأننا نُكرس كل ما نملكه من لحظات ذاك اليوم لها، ثم ومتى انتهى كل شيء (انتهى كل شيء)، بمعنى أن القبلات والأحضان تصبح محدودة ولمناسبات معينة لا يعلم بأمرها إلا الله؟ أليس من المخجل أن يجمعنا ذات المكان إلا أن التواصل لا يكون إلا من خلال أجهزة نحملها كل (الوقت)، وحين تُطالبنا الغالية بشيء من ذاك الأخير نتظاهر بأننا سنفتش عنه؛ كي نتفرغ لها متى وجدناه، أو نؤجل ذلك فنجمع ما نملكه من وقت في حصالة زمنية سنُفرغ ما في جعبتها لاحقاً وأعني في يوم الأم ولكن من العام اللاحق؟ إن أقل ما يمكن تقديمه لمن قدم لنا الحياة على طبق من ذهب أن نُشكره كل الوقت وفي أي وقت دون أن نبحث عن مناسبات نُكلفها بتلك المهمة، مناسبات ذات مساحة زمنية ضيقة جداً ستموت من شدة الخجل متى أدركت تلك المساحات العظيمة التي شغلتها الأم بكل ما قد جادت به، ويستحق منا تقديره بتخصيص كل يوم من أيام حياتنا لها وليس هذا اليوم فحسب.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"