بقلم : د. أحمد القديدي الثلاثاء 21-03-2017 الساعة 02:00 ص

العرب و الخروج من بيت الطاعة للنظام العالمي الجائر ؟

د. أحمد القديدي

أمام البرلمان التونسي قال رئيس حكومة تونس الأسبوع الماضي بأن حكومته لا تخضع لشروط صندوق النقد الدولي و لم يمل عليها الصندوق أية شروط لخصخصة بعض المؤسسات العمومية و تسريح عدد من موظفي الإدارات الحكومية وهو على حق و لكن الحق الأعلى من حق الحكومة هو أن الصندوق ليس بحاجة إلى أي إملاء و قد يملي و قد لا يملي شروطه لتقديم القروض فالقرار يبقى في أيدي حكومتنا لكنه قرار يندرج في إطار منظومة الصندوق و نواميسه و ليس في مقدور تونس و لا غير تونس أن تنحرف حكوماتها عن الخط الذي رسمه النظام العالمي الأطلسي منذ سبعين عاما فتونس و بقية الدول النامية مجبورة جبرا على أن تدور في فلك صندوق النقد الدولي و أن تظل صابرة في بيت الطاعة الأطلسية لأن (السيستم) الاستعماري القديم و المتجذر هو الذي يرسم خارطة الطريق الاقتصادية و المالية بل و السياسية لخدمة مصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية و نحن في تونس كغيرنا من الدول المستضعفة مهما كانت شجاعة الشجعان لم نبلغ درجة رفض النظام العالمي الجائر رغم أن قوى جديدة بدأت تفرض بالقوة نظاما عالميا مختلفا لن يكون حصريا لخدمة مصالح أمريكا و أوروبا وفي طليعة هذه القوى الصين بمخزونها من الدولار الذي يساوي 3 ترليونات (أي أكثر مما في الخزينة الأمريكية ذاتها!) و كذلك روسيا القيصرية الصاعدة بحضورها العسكري في الشرق الأوسط. فهل نسعى نحن و تسعى دول عربية و آسيوية و إفريقية إلى الانخراط في منظومة (طريق الحرير) الجديدة ؟وهي التي يبشر بها المفكرون الواعون من الغرب نفسه ! هذا السؤال طرحته أكثر من وسيلة إعلام و اتصال أمريكية و أوروبية اقتصادية ومالية هذا الأسبوع منذ أن طالب (لافروف) في مؤتمر ميونخ للأمن بإقرار نظام عالمي جديد و أيده الرئيس الصيني و خاصة بعد أن شكك الرئيس ترامب في جدوى حلف شمال الأطلسي لأن أي نظام عالمي جديد اليوم له مهمات مختلفة في عصر العولمة و صعود العمالقة الجدد ربما تكون أقرب لوظيفة الرابط الأساسي بين اقتصادات الأمم من أجل تنفيذ مشروع عادل للتعاون الدولي وإلحاق الأمم المتخلفة و المحرومة بركب التقدم و التنمية و الرفاه. و للتذكير فإن البنك العالمي تأسس عام 1944 إلى جانب صندوق النقد الدولي كمؤسستين ماليتين ملحقتين بالأمم المتحدة التي ولدت من رحم عصبة الأمم ومن رحم الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، بغاية إعمار العالم الذي دمرته الحرب وبهدف تكريس هيمنة المنتصرين على الاقتصاد العالمي و المبادلات التجارية. و بالفعل نشأ مع هاتين المؤسستين نظام (برتن وودس) للبورصات و التبادل المالي و ضمان اعتماد العملات الوطنية على مخزون الذهب ولكن أيضا على الاعتراف الضمني و غير المقنن بأن الدولار هو المعيار الحقيقي لقيمة العملات أي في الواقع تتويج العملة الأمريكية الخضراء سيدة بلا منازع على اقتصاديات الأسواق المالية. لكن هذا النظام لديه أجنحته الأربعة وهي: البنك العالمي و صندوق النقد الدولي و المنظمة العالمية للتجارة و أخيرا بورصة (وال ستريت) في نيويورك. ظل هذا النظام على مدى الحرب الباردة و حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي يعمل وفق المصالح الرأسمالية للدول الغنية غير مكترث بأن وراء حدود الغرب المترف تعاني شعوب العالم الثالث من ويلات الاستبداد و الفقر و البطالة و الصراعات الطائفية و فوضى التجارة العالمية و ظلم الشركات العابرة للقارات في استغلال موادها الأولية و ثرواتها الطبيعية بأسعار بخسة لتصنيعها في الغرب و إعادتها إلى البلدان المحرومة بأسعار مرتفعة و شروط قاسية. و كان عالم الاقتصاد الفرنسي (روني ديمون) أول من اكتشف في أواخر الستينات بأن جملة المواد الأولية لتصنيع سيارة من حديد و فولاذ و نحاس و مطاط و رصاص تستجلب من إفريقيا و آسيا بثمانين دولارا لتعود السيارة تباع بثلاثة آلاف دولار( طبعا بأسعار ذلك الزمن) و أن الوقود الذي يحركها يستجلب من البلدان المنتجة بدولارين للبرميل ليباع مكررا بخمسين دولارا للمستهلك. و تدريجيا تحول نظام (برتون وودس) إلى جلاد الشعوب الفقيرة فمارس التدخلات المهينة عليها و في شؤونها لإخضاع اقتصاداتها لإرادة و مصالح الدول الغربية الغنية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"