بقلم : أمير تاج السر الإثنين 15-05-2017 الساعة 01:37 ص

مشهد

أمير تاج السر

سمعت صوت المرأة مرة أخرى، من خلف باب النزل، كانت تخاطبني هذه المرة:

-أنت نزيل أم زائر أم برطمان؟

ارتعشت، وكانت في الصوت خامات برد، تجلب الرعشة، ولا أدري لم أحسست رغم صلابتي، بالغربة، والوهن، وأنني أخطأت بقبولي مهمة في بلاد أزورها لأول مرة، ولا أفهم تضاريسها، وعادات سكانها، في أي وقت يمرحون مثلا، وفي أي وقت يبدون مستعدين لأن يموتوا.

نزيل أم زائر، واضحتان، ولكن كيف يكون الرجل برطمانا؟، هل هو وصف لحالة معينة، يستخدمه أهل البلاد هذه؟، أم لعله مزاح، والصوت لا يبدو صوت أحد يمزح. لا أدري حقيقة، لا أدري.

رددت: زائر، أبحث عن نزل للإقامة.

-ليس لدينا أماكن هنا للزوار. اذهب.

ردت، وكانت خامات الرعشة أشد، وأحسست بأن عظامي ترتعش.

التفت خلفي، كان الرجل شبه العاري، ما زال نائما في خلائه البعيد، المدخنة التي في أعلى أحد البيوت، توقفت عن ضخ الدخان، والمرأة التي تغسل أو تعجن أو تهدهد طفلا، على سطح، لا تزال تعمل بلا توقف.

كان أمرا غريبا حقا، أن أجد باب نزل يفترض بأنه مخصص أصلا للغرباء، مغلقا أمام الغرباء، وغريبا جدا أن لا يفتح الباب حتى، ويرفض النزلاء، من خلف ذلك الحجاب.

قلت وأحس صوتي غريبا، متخما بانفعلات شتى:

-عفوا يا سيدة، سأدفع تكاليف إقامتي فورا، لست متشردا، افتحي أرجوك.

كنت أتحسس حزام دنانيري المربوط في وسطي، تحت الثياب، بإتقان وسرية، ومددت يدي في اللحظة نفسها، إلى قفل الباب أحاول إدارته، وكان قويا، مصنوعا من خشب صلد، ولم يتزحزح.

-سيدة؟، من قال إني سيدة؟.. اذهب قبل أن تفقد عينك.. اذهب.

-لماذا أفقدها؟

سألت، ورعشتي تزداد، ويدى اليمنى، تخلصت من العصا، للحظة، وارتفعت تلقائيا، تتفقد العينين، لكن أحدا لم يرد علي، وسكنت الأصوات كلها بغتة، وحتى القطة الجائعة ما عادت، تبث لحنا مرهقا وكئيبا.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"