بقلم : د.عبد المطلب صديق الخميس 08-06-2017 الساعة 03:26 ص

مقاطعة قطر فاشلة والحصار مستحيل

د.عبد المطلب صديق

*قرار المقاطعة يستند على حملة علاقات عامة مضادة ولن يصمد أمام الرفض الشعبي

*حالة عداء جديدة بين الدول التي أيدت المقاطعة ورعاياها في قطر

*المقاطعة تدخل السعودية والإمارات والبحرين في مأزق اقتصادي وسياسي واجتماعي يصعب الفكاك منه

*دبلوماسية الحقائب فشلت في كسب تأييد المقاطعة

شهدت ليلة الأمس حراكا سياسيا ودبلوماسيا قويا على المستوى الدولي، كما تصاعدت وتيرة المساندة الشعبية العالمية مدفوعة بمواقف قطرية سابقة الانحياز والدعم والمساندة، تمثلت في دبلوماسية فض النزاعات والعون والعمل الخيري والإنساني الذي امتد من الجوار العربي والآسيوي حتى السواحل الأمريكية التي ضربها إعصار كاترينا قبل أعوام، وتفتحت أعين الشعوب على أيادي قطر البيضاء في وقت الأزمات، وكان من الطبيعي أن تتجاوب تلك الأمم اليوم في مناهضة المؤامرة التي تتعرض لها قطر.

حقائق التاريخ تقف شاهدة ضد تحالفات الشر التي تدعو للمقاطعة والحصار والإقصاء واستلاب السيادة. وتسلسل الأحداث المزعومة لتبرير المقاطعة الخليجية على قطر يشير إلى أن الحملة الإعلامية التي انتهت بقطع العلاقات ستبقى مجرد فرقعة إعلامية كما بدأت، ولن تحقق أهدافها في فرض الوصاية على قطر للأسباب التالية:

(1)

لم يكن لقرار بحجم المقاطعة الدبلوماسية الكاملة والحصار الشامل أن يمر وتقبله الشعوب، وهو بهذه الهشاشة وعدم المنطق، ومخالفته لطبيعة العلاقة بين مواطني دول مجلس التعاون الخليجي وما بينهم من وشائج وعلاقات وقربى، يصعب أو يستحيل معها تطبيق مثل هذه المقاطعة. حيث بدأ القرار بحملة علاقات عامة استندت على أخبار مفبركة وسيلتها غير شرعية وغير أخلاقية هي القرصنة على موقع وكالة الأنباء القطرية وبث أخبار كاذبة على لسان صاحب السمو أمير البلاد المفدى وبث رسائل مفبركة تهدف إلى توتر العلاقات الخليجية – الخليجية من جهة وتبرير اتخاذ قرارات وإجراءات تحت غطاء هذه الحملة.

ولتعقب مستقبل هذه الحملة وما قد تؤول إليه من نتائج نحتكم إلى تفسير نظريات الاتصال لمثل هذه الحملات المغرضة، إذ يرى خبراء الاتصال أن مثل هذه الحملة التي بدأت قبل أسبوع من الوصول إلى هدفها، وهو قطع العلاقات يكتنفه الكثير من التعجل والتصنع والاستهداف، والثابت أن القرصنة والترويج المتزامن للأخبار المفبركة في وسائل إعلام الدول التي قادت المقاطعة حدثت في وقت واحد وبتنسيق يصعب أن يحدث بصورة عرضية ومهنية عادية، بل كان بفعل فاعل، واستمرت الحملة الإعلامية من 24 مايو وانتهت بقطع العلاقات في الخامس من يونيو، هذه العجالة ليست كافية لإدارة حملة إعلامية معادية يتطلب المنطق العلمي أن تكمل مسيرتها بالإغراق المعلوماتي ثم الانتقال إلى مرحلة القناع، وصولا إلى صنع صورة ذهنية كاذبة تقنع العالم بأن قطر فعلا تدعم الإرهاب، وتساند المتشددين الإسلاميين.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو، هل تكفي هذه الخطفة المتعجلة لتحقيق هذه الأهداف، وما هو السيناريو المتوقع لهذه الحملة، واقع الحال يقول: الحشد الإعلامي الذي أتيح لهذه الحملة لا يمكِّنها من الاستمرارية ولا يساعد على تحقيق هدفها الأصيل بتبرير المقاطعة الدبلوماسية الكاملة والحصار الاقتصادي الشامل. وصانع القرار في دول المقاطعة قد فاته أن فرصة الدعم الشعبي للمعارضة سيكون ضئيلا للغاية، خاصة في ظل الحالات الإنسانية التي ستتضرر من المقاطعة في ظل التداخل الأسري بين شعوب دول التعاون إلى درجة يصعب معها وجود بيت ليست له روابط مصاهرة داخل النسيج الخليجي.

لقد تطلب الأمر من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية المساندة للكنيسة وكذلك اللوبيات الصهيونية، سنوات من العمل الدؤوب لخلق صورة نمطية للعرب والمسلمين ووصمهم بالإرهاب، حيث بدأت هذه الحملة مع نهاية الحرب البادرة في تسعينيات القرن الماضي وحينها تحول الإعلام الأمريكي من إطلاق صفة المجاهدين الأفغان إلى الإرهابيين والمتشددين الإسلاميين، وبعد ثلاثة عقود من ذلك التاريخ نجحت الآلة الإعلامية الأوروبية والأمريكية في صنع الصورة النمطية الكافية لإعلان الحرب على أعداء المصالح الأمريكية دون معارضة الجمهور الأمريكي نفسه والجماعات الحقوقية وشعوب الدول المستهدفة أيضا، وذلك ما حدث في العراق عندما رحبت الشعوب بالوصاية والتدخل الأجنبي. ومع كل هذه السنوات الطويلة لم تحقق الآلة الإعلامية الغربية هدفها، لذلك من المستحيل أن تحقق حملة العلاقات العامة الخليجية ذات الأسبوع الواحد هدفها.

(2)

نقطة الضعف الرئيسية التي ستهزم المقاطعة ليس ضعف منطقها ولا عوار مبرراتها ، لكن ضعف مسانديها من دول تبني موازناتها على المساعدات وتبني خطط علاقاتها الدبلوماسية على استثمار الأزمات مثل المالديف وموريتانيا وجيبوتي.

وتدل هذه المواقف الدبلوماسية الدعائية على هشاشة وسيولة المواقف السياسية لهذه الدول وضعف وتأثيرها على الساحة الدولية، وتمثل هذه المجموعة الدولية رسالة سلبية ستلقي بظلالها على منطق المقاطعة وشرعيته على مستوى العالم. ولا شك أن قراراً بخطورة تأثير المقاطعة الدبلوماسية لن تخدمه سياسة دبلوماسية الحقائب المالية ليصل إلى محطته الأخيرة. وضمت قائمة الدول التي ساندت المقاطعة وتلك التي قررت تخفيض تمثيلها الدبلوماسي في خطوة لرفع العتب عنها ليس إلا، ضمت دولا لا وزن لها ولا تملك تأثيرا على المستوى الدولي.

(3)

سلاح المقاطعة الاقتصادية والحصار ليس أفضل حظا من سابقه، فما زال الرأي العام الدولي مصدوما لانهيار ميثاق مجلس التعاون الخليجي فجأة ودون سابق إنذار ولا مؤشرات. لذلك لم يكن مهيأً لاتخاذ مواقف معادية ضد قطر، بل على العكس من ذلك تدفقت المبادرات التجارية التي عرضت إمداد قطر بالسلع الاستهلاكية وبعروض أكبر من حاجة الاستهلاك المحلي مثلما حدث من تركيا وإيران والبوسنة.

وفشل الحصار الاقتصادي هو الأكثر فشلا للمعطيات التالية:

أولا: قوة الاقتصاد القطري وتنوع موارده وتعدد مصادره واعتماده على أكثر من مورد في الاستيراد والتصدير.

ثانيا: مرت دولة قطر بتجارب سابقة مهدت لصانع القرار القطري وعلى كل المستويات المرونة والقدرة الكافية لمواجهة مثل هذه التحديات.

ثالثاً: رغبة المنتجين على مستوى الدول والشركات في كسب فرص تسويقية في السوق القطري وبالتالي مسارعتهم على استثمار هذه الفرصة وسحب البساط من الموردين التقليديين على مستوى المنطقة، مما يضر بالموردين القدامى ويضمن سوقا جديدة للقادمين.

رابعا: استعدت الدولة ومنذ سنوات في تقوية الإنتاج المحلي والاستثمار الزراعي في الخارج في عدد من الدول الآسيوية والإفريقية وكانت أوغندا آخر الدول التي عرضت على قطر تسويق منتجاتها الزراعية والاستثمار في أراضيها دون شروط وقد سبقتها في ذلك كينيا وإثيوبيا.

خامسا: تملك قطر منافذ جوية وبحرية تجعل الحصار من الناحية اللوجستية مجرد قرار سياسي لا أكثر.

سادسا: تمثل الُّلحمة الخليجية نفسها، عائقا أمام الحصار، فقد ثبت ومن اليوم الأول أن المقاطعة طالت الدول التي أعلنتها قبل أن تؤثر على قطر نفسها بسبب العلاقات الاجتماعية المتداخلة بين دول المجلس.

سابعا: تعتبر دول المقاطعة ليست بذات وزن حقيقي من الناحية التجارية، ويكفي أن تجارة قطر مع دول الخليج لا تزيد على 10 % من مجمل ميزانها التجاري، وبالتالي فإن الضرر سيكون في حدود هذه النسبة.

خلاصة القول ... الأزمة ليست في المقاطعة، ولكن في التدهور الذي لحق بمجلس التعاون الخليجي الذي ظل يمثل طوق النجاة للشعوب العربية بعد عجز الجامعة، وثالثة الأثافي أن المقاطعة جاءت في وقت تتحد فيه شعوب العالم وتتفق على مواجهة التحديات، ولا زالت أمتنا العربية تتوجس خيفة وهي تسير على خطى جساس وداحس والغبراء.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"