بقلم : محمد قيراط الإثنين 12-06-2017 الساعة 01:35 ص

عندما يتحول الإعلام إلى دعاية منظمة وأبواق

محمد قيراط

"الحرب أولها كلام" والحرب النفسية أخطر من القنابل والمدافع وقوافل الجيوش ، والإشاعة والتضليل والتلاعب هي وقود الحقد والضغينة والكراهية والصور النمطية. منذ اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية ونحن نعيش مظاهر وممارسات وتصرفات إعلامية تسيء لسمعة المهنة النبيلة، مهنة المتاعب ومهنة البحث عن الحقيقة. في أوقات الأزمات وفي أوقات الشدة من واجب الإعلامي المسؤول والنزيه والملتزم ألا ينجر مع التيار الجارف وألا يطنب في الافتراء والتضليل والتشويه وصناعة الواقع الذي يغاير الحقيقة تماما. ما لاحظناه هو بروباجندا "جوبلز" في الحرب العالمية الثانية والتي كانت تنطلق من مبدأ "اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى تصبح الأكذوبة حقيقة تكون أنت أول من يصدقها". كنت أتمنى أن أقرأ في الصحف وأشاهد في الفضائيات مئات المعتمرين من مختلف الجنسيات العالقين في مطار جدة والذين لم يجدوا سبيلا للعودة إلى ديارهم، والشيء نفسه بالنسبة لمسافرين كثر لم يعرفوا السبيل للسفر إلى الدوحة من الإمارات والسعودية والبحرين، وما ذنب المواطن المصري الحاجز تذكرته للسفر من القاهرة إلى الدوحة أو العكس على الطيران القطري أو الطيران المصري؟ ماذا عن صلة الرحم وعن مئات بل آلاف العائلات الخليجية المختلطة حيث الزوجة سعودية أو إماراتية أو بحرينية والزوج قد يكون قطريا أو من دولة خليجية أخرى؟ غلق المنافذ البرية والبحرية والجوية يعتبر جريمة في حق الحريات الفردية وحرية التنقل وحقوق الإنسان وحتى الاتحاد الدولي للطيران المدني يمنع مثل هذه الإجراءات التي تخالف الأعراف والقوانين الدولية.

ماذا عن المهازل التي نسمعها والمتمثلة في قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر من قبل دول لا وزن لها في الخريطة الجيوسياسية في المنطقة وفي العالم أصلا؟ تسمع عن المالديف وموريشيوس والأردن وليبيا وموريتانيا واليمن. والغريب في الأمر أن الشعب الموريتاني خرج للشارع للاحتجاج على قرار الرئيس الذي لا يمثل إلا رأيه في الموضوع، وهو ناجم بطبيعة الحال عن ضغط جاء من وراء البحار. وهذا ما يعني أن الشعوب العربية في واد وحكامها في واد آخر مع الأسف. وهنا كنا نتمنى القراءة الصحفية المسؤولة والملتزمة في تفسير الواقع والغوص في خباياه وتنوير القارئ والمشاهد بحقيقة ما يدور في الكواليس. كنا ننتظر تعليقات وتحاليل حول من المستفيد من المقاطعة، وما هي الخسائر المترتبة على ذلك، وما هي الدوافع الحقيقية لفرض الحصار على دولة قطر. مع العلم أن القانون الدولي يمنع غلق المنافذ البرية والبحرية والجوية على دولة معينة، فيحق لأي دولة قطع علاقتها الدبلوماسية مع دولة أخرى لكنه لا يحق لها أن تغلق المنافذ البرية والبحرية والجوية أمام شعبها.

فبدلا من تهدئة الأجواء واستعمال العقل والمنطق لاحظنا دخول المؤسسات الإعلامية في حالة وفي جو من التصعيد والتضخيم والتهليل، وكأنها كانت ترحب بهذا الوضع الذي لا يشرف دول الخليج ولا مجلس التعاون الخليجي. وهنا دخلنا في ثقافة الإثارة وشحن الأجواء وصب الزيت على النار والفتنة ونشر الحقد والكراهية والانتقام والإساءة للآخر والنيل من رموز وتاريخ البلد الآخر. وهذا النوع من الإعلام هو النوع السائد والذي يفتقد إلى البصيرة وبعد الرؤية والمنطق والعقل. فهو إعلام مع الأسف الشديد يهدم ويحطم أكثر مما يبني ويهدف إلى الخير والبناء والتشييد وإيجاد الحلول التي تعود بالفائدة على الجميع. فالفتن والحروب النفسية والدعاية والبروباجندا لا تخدم في نهاية المطاف البيت الخليجي ومجلس التعاون الخليجي، وإنما تصب في مصلحة الأعداء وكل من يتربص بالمنطقة.

وانطلاقا من هذا يجب على الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية الخليجية والعربية أن تكون في مستوى المهمة والحدث والرسالة، لأن الوضع صعب وحساس ومصيري وبحاجة إلى مهنية عالية وأخلاق عالية والتزام كبير وضمير مهني في مستوى رهانات الحدث، فليعلم القائم بالاتصال أنه مسؤول أمام الله وأمام التاريخ إذا شارك في التضليل والتزييف والإثارة بدلا من التبصر والتعقل والبحث عن الحلول السلمية والرشيدة والتي تعود بالفائدة على الجميع وبأقل الأضرار.

الأمور كانت واضحة وضوح الشمس منذ البداية ومنذ اختراق وكالة الأنباء القطرية. الموضوع كان مدبرا ومخططا له لإيجاد مبرر لقطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وغلق المنافذ البرية والبحرية والجوية مع قطر. وكان هذا الإجراء مع الأسف الشديد مبنيا على تصريحات مفبركة نشرت في وكالة الأنباء القطرية بعد اختراقها ورغم التصريح الرسمي للجهات القطرية أن سمو الأمير لم يقدم أي خطاب ولم يلق أي كلمة في حفل تخرج مجندي الخدمة الوطنية إلا أن الآلة الإعلامية المعادية لقطر مع الأسف الشديد تجاهلت تماما الجانب القطري واعتبرت التصريحات صحيحة وصادرة من سمو أمير قطر. وهذا ما يذكرنا بقضية المروحة التي اتخذتها فرنسا الاستعمارية لشن حرب شعواء ضد الجزائر لاستعمارها. سبحان الله! التاريخ يعيد نفسه بعد أكثر من 150 سنة.

غرد الدكتور عبدالعزيز التويجري مدير عـام "الإيسيسكو" على موقعه، مشيرًا إلى أن "الذي يستغل الأزمة الحالية في الخليج ليفرغ حقده وسوء خلقه على شعب قـطـر الـشـقـيـق كـمـا رأيــنــا فــي الـكـتـابـات والـتغريدات المسيئة (خسيس وفاقد للمروءة)". بالطبع هـذا التعاطف المبرر جـاء بعد أن تعرضت قطر لحملة تشويه إعـلامـي مـن قبل كـل مـن قناتي سكاي نيوز وقناة العربية ونشرهما تصريحات نسبت زورا لسمو أمير دولـة قطر حفظه الله في اختراق غير مسبوق للموقع الإلكتروني لوكالة الأنباء القطرية "قـنـا". مع الأسف الشديد ونحن في القرن الحادي والعشرين نلاحظ أن بعض وسائل الإعلام العربية المرئية مـنـهـا والمــكــتــوبة تـخـلـت عــن وظـائـفـهـا المـهـنـيـة وعن رسالتها النبيلة والشريفة، وتـحـولـت إلــى «أبـــواق» لـلأنـظـمـة وظـفـت لكسب المـعـركـة الـسـيـاسـيـة والأيديولوجية. وإذا كــان ذلــك الـوضـع قد أصبح مألوفا في العالم العربي، فإن لغة التراشق بدت صادمة على نحو مذهل وأن درجة المهنية والأخلاق والالتزام وصلت إلى درجة ما دون الصفر. هل من ضمير ومسؤولية للإعلاميين وللقائمين على المؤسسات الإعلامية العربية هذه الأيام ونحن في الشهر الفضيل؟ أيعقل الاستخفاف بعقول الجماهير العربية بهذه الدرجة من التزوير والتلفيق والتضليل والتشويه والتلاعب؟ أين كلمة الحق؟ أين المواقف التي يسجلها التاريخ وتبقى مفخرة للأجيال. فليعلم صناع الرأي العام أن التاريخ يكشف دائما أولئك الذين زيفوا وحرفوا وكذبوا على الشعوب والأمم، فالحقيقة ستظهر إن آجلا أم عاجلا، وستنكشف الأبواق والأقلام المأجورة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"